ضَيِّقًا حَرَجًا، كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ [الأنعام: 125] ، وَهَذِهِ الْآيَةُ كَمَا هِيَ حُجَّةٌ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْإِضْلَالِ فَهِيَ حُجَّةٌ فِي خَلْقِ الْهِدَايَةِ وَالضَّلَالِ لِأَنَّهُ قَالَ:"يَشْرَحُ"وَ"يَجْعَلُ"، وَذَلِكَ يُوجِبُ الْفِعْلَ وَالْخَلْقَ، وَالْآيَاتُ فِي هَذَا الْمَعْنَى كَثِيرَةٌ، وَرُوِّينَا عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - أَنَّهُ قَالَ:"اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ"" [1] "
2 -التقدير الحولي:
في ليلة القدر ، إذ يقدر فيها ما يكون في السنَة من أمور ووقائع ، قال تعالى: إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ (3) فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ (4) [الدخان: 3 ، 4]
أي: يفصل ويميز ويكتب كل أمر قدري وشرعي حكم الله به، وهذه الكتابة والفرقان، الذي يكون في ليلة القدر أحد الكتابات التي تكتب وتميز فتطابق الكتاب الأول الذي كتب الله به مقادير الخلائق وآجالهم وأرزاقهم وأعمالهم وأحوالهم، ثم إن الله تعالى قد وكل ملائكة تكتب ما سيجري على العبد وهو في بطن أمه، ثم وكلهم بعد وجوده إلى الدنيا وكل به كراما كاتبين يكتبون ويحفظون عليه أعماله، ثم إنه تعالى يقدر في ليلة القدر ما يكون في السنة، وكل هذا من تمام علمه وكمال حكمته وإتقان حفظه واعتنائه تعالى بخلقه. [2]
3 -التقدير اليومي:
وهو ما يقدر من حوادث اليوم من حياة وموت وعز وذل وغير ذلك ، قال تعالى: { كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ } ( الرحمن الآية: 29 ) .
فهو تعالى { كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ } يغني فقيرا، ويجبر كسيرا، ويعطي قوما، ويمنع آخرين، ويميت ويحيي، ويرفع ويخفض، لا يشغله شأن عن شأن، ولا تغلطه المسائل، ولا يبرمه إلحاح الملحين، ولا طول مسألة السائلين، فسبحان الكريم الوهاب، الذي عمت مواهبه أهل الأرض والسماوات، وعم لطفه جميع الخلق في كل الآنات واللحظات، وتعالى الذي لا يمنعه من الإعطاء معصية العاصين، ولا استغناء الفقراء الجاهلين به وبكرمه، وهذه الشئون التي أخبر أنه تعالى كل يوم هو في شأن، هي تقاديره وتدابيره التي قدرها في الأزل وقضاها، لا يزال تعالى يمضيها وينفذها في أوقاتها التي اقتضته حكمته، وهي أحكامه الدينية التي هي الأمر والنهي، والقدرية التي يجريها على عباده مدة مقامهم في هذه الدار، حتى إذا تمت [هذه] الخليقة وأفناهم الله تعالى وأراد تعالى أن ينفذ فيهم أحكام الجزاء، ويريهم من عدله وفضله وكثرة إحسانه، ما به يعرفونه ويوحدونه، نقل المكلفين من دار الابتلاء والامتحان إلى دار الحيوان. [3]
(1) - شعب الإيمان - (1 / 363)
(2) - تفسير السعدي - (1 / 771)
(3) - تفسير السعدي - (1 / 830) وأيسر التفاسير لأسعد حومد - (1 / 4809)