قال ابن كثير - رحمه الله - بعد ذكره لهذا الأثر:"وهذا إسناد صحيح إلى ابن عباس رضي الله عنهما حبر وترجمان القرآن ، وهكذا قول من وافقه من الصحابة والتابعين رضي الله عنهم مع الأحاديث المرفوعة من الصحاح والحسان وغيرها التي أوردوها مما فيه مقنع ودلالة ظاهرة على أن الدخان من الآيات المنتظرة مع أنه ظاهر القرآن ، قال الله تبارك وتعالى: { فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ } أي بين واضح ، يراه كل أحد ، وعلى ما فسر به ابن مسعود رضي الله عنه إنما هو خيال رأوه في أعينهم من شدة الجوع والجهد ، وهكذا قوله تعالى: { يَغْشَى النَّاسَ } ، وقوله تعالى: { هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ } أي يقال لهم ذلك تقريعا وتوبيخا" [1]
3 -وقد ذهب بعض العلماء [2] إلى الجمع بين هذه الآثار بأن قالوا هما دخانان ظهر أحدهما وبقي الآخر الذي سيقع في آخر الزمان ، فأما الآية الأولى التي ظهرت فهي ما كانت قريش تراه كهيئة الدخان ، وهذا الدخان غير الدخان الحقيقي الذي يكون عند ظهور الآيات التي هي من أشراط الساعة .
قال القرطبي - رحمه الله -: قال مجاهد: كان ابن مسعود يقول:"هما دخانان قد مضى أحدهما ، والذي بقي يملأ ما بين السماء والأرض ولا يجد المؤمن إلا كالزكمة ، وأما الكافر فتثقب مسامعه" [3]
وقال الإمام ابن جرير الطبري - رحمه الله -:"وبعد، فإنه غير منكر أن يكون أحلّ بالكفار الذين توعدهم بهذا الوعيد ما توعدهم، ويكون مُحِلا فيما يستأنف بعد بآخرين دخانا على ما جاءت به الأخبار عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عندنا كذلك، لأن الأخبار عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد تظاهرت بأن ذلك كائن، فإنه قد كان ما رَوَى عنه عبد الله بن مسعود، فكلا الخبرين اللذين رُويا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صحيح." [4] .
وقال النووي رحمه الله تعالى: ويحتمل أنهما دخانان للجمع بين هذه الآثار" [5] "
وقال الطحاوي في مشكل الآثار: بَابُ بَيَانِ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فِي قَوْلِ اللهِ تَعَالَى عَزَّ وَجَلَّ: { يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ } [الدخان: 10]
عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ: حَدَّثَنِي رَجُلٌ فِي الْمَسْجِدِ، فَذَكَرَ: { يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ } [الدخان: 10] فَقَالَ: إذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ أَصَابَ النَّاسَ دُخَانٌ يَأْخُذُ بِأَسْمَاعِ الْمُنَافِقِينَ وَأَبْصَارِهِمْ وَيَأْخُذُ
(1) - تفسير ابن كثير ( 4 / 125 - 140 ) ، وانظر: النهاية في الفتن والملاحم له ( 1 / 172 ) بتحقيق د / طه زيني .
(2) - انظر: التذكرة القرطبي ( 655 ) ، وشرح صحيح مسلم ( 18 / 27 ) .
(3) - التذكرة ( 655 ) .
(4) - تفسير الطبري ( 25 / 114 - 115 ) . وتفسير الطبري - مؤسسة الرسالة - (22 / 19)
(5) - شرح صحيح مسلم للنووي ( 18 / 28 ) .