الجمع بين ما جاء أن هذه النار هي آخر أشراط الساعة الكبرى وما جاء أنها أول أشراطها بأن يقال: إن آخريتها باعتبار ما ذكر معها من الآيات الواردة معها في حديث حذيفة ، وأوليتها باعتبار أنها أول الآيات التي لا شيء بعدها من أمور الدنيا أصلا ، بل يقع بانتهاء هذه الآيات النفخ في الصور بخلاف ما ذكر معها من الآيات الواردة في حديث حذيفة ، فإنه يبقى بعد كل آية منها أشياء من أمور الدنيا [1]
أما ما جاء في بعض الروايات بأن خروجها يكون من اليمن ، وفي بعضها الآخر أنها تحشر الناس من المشرق إلى المغرب فيجاب عن ذلك بأجوبة:
1 -أنه يمكن الجمع بين هذه الروايات بأن كون النار تخرج من قعر عدن لا ينافي حشرها الناس من المشرق إلى المغرب ، وذلك أن ابتداء خروجها من قعر عدن فإذا خرجت انتشرت في الأرض كلها ، والمراد بقوله - صلى الله عليه وسلم -: « تحشر الناس من المشرق إلى المغرب » إرادة تعميم الحشر لا خصوص المشرق والمغرب .
2 -أن النار عندما تنتشر يكون حشرها لأهل المشرق أولا ، ويؤيد ذلك أن ابتداء الفتن دائما من المشرق ، وأما جعل الغاية المغرب فلأن الشام بالنسبة إلى أهل المشرق مغرب .
3 -يحتمل أن تكون النار المذكورة في حديث أنس كناية عن الفتن المنتشرة التي أثارت الشر العظيم والتهبت كما تلتهب النار ، وكان ابتداؤها من قبل المشرق حتى خرب معظمه وانحشر الناس من جهة المشرق إلى الشام ومصر وهما من جهة الغرب ، كما شوهد ذلك مرارا في عهد التتر والمغول وغيرهم ، وأما النار التي في حديثي حذيفة بن أسيد وابن عمر فهي نار حقيقية ، والله أعلم [2]
المسألة الثالثة: مكان الحشر
المكان الذي يكون الحشر إليه في آخر الزمان هو الشام كما صحت بذلك الأحاديث الكثيرة منها:
عن بَهْزَ بْنِ حَكِيمِ بْنِ مُعَاوِيَةَ عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ ، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَيْنَ تَأْمُرُنِي ؟ خِرْ لِي ، قَالَ: فَنَحَا بِيَدِهِ نَحْوَ الشَّامِ ، فَقَالَ: إِنَّكُمْ مَحْشُورُونَ رِجَالا وَرُكْبَانًا ، وَتُجَرُّونَ عَلَى وُجُوهِكُمْ هَا هُنَا ، وَنَحَا بِيَدِهِ" [3] "
وعن بَهْزَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيْنَ تَأْمُرُنِى قَالَ « هَا هُنَا » . وَنَحَا بِيَدِهِ نَحْوَ الشَّامِ قَالَ « إِنَّكُمْ مَحْشُورُونَ رِجَالًا وَرُكْبَانًا وَتُجَرُّونَ عَلَى وُجُوهِكُمْ » . [4]
وعَنْ أَبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: الشَّامُ أَرْضُ الْمَحْشَرِ ، وَالْمَنْشَرِ. [5]
(1) - انظر: فتح الباري ( 13 / 86 ) .
(2) - انظر: فتح الباري ( 13 / 86 ) .
(3) - المستدرك للحاكم ( 8686) صحيح
(4) - مسند أحمد - المكنز - (20564) صحيح
(5) - مسند البزار كاملا - (2 / 91) (3965) وابن عساكر1/174و180و178من طرق صحيح