فهرس الكتاب

الصفحة 47 من 559

1-إن فطرة التدين أصيلةٌ في الإنسان، وهذا أمر لا يقبل المراءَ بناءً على الشواهد التاريخية والواقعية. ومع أن علماء المقارنة بين الأديان -على اختلاف مللهم - متفقونَ على تأصُّلِ العقيدة الدينيةِ في طبائع بني الإنسانِ. إلا أنهم لم يتفقوا على أصل الباعث لهذه العقيدة.

ولكن بالمناقشة الموضوعية نستطيع أن نقرر ما يلي:-

أ- اتجه الكثير من الباحثين في هذا الموضوع إلى القول بأن الأسطورة هي الباعث الأساسي على نزعة الإنسان إلى التدين ،وهذه النظرة تجعل نزعة التدين نزعة طارئة تتكون في النفس البشرية بتأثير خارجي نتيجة سماع ثم تصديق مجموعة من الأساطير المتوارثة عبر الأجيال. ومن الواضح أن هذا الرأي لا يفسرُ النزعة الفطرية المتأصلة في النفس البشرية عند مختلف الشعوب والثقافات في جميع مراحل التاريخ البشري ،وهو ما اتفق عليه مؤرخو الديانات والحضارات البشرية، كما أنه لا يعطي تفسيرا مقنعًا لذلك الأثر العجيب المتجدد الذي أحدثه الدِّينُ ولا يزالُ في تاريخ وواقع الأمم والشعوب.

ب- تفسيرُ بعض الباحثين للسلوك التعبدي في المجتمعات الوثنية على أنه نابعٌ من الشعور بالرهبة تجاه الكائنات شديدة الضخامة والتي تبدو شديدة القوة والإبهار كالجبال والنجوم مثلًا ، وبالتالي تخيل نوع من الحياة تتمتع به هذه الكائنات كمقدمة للتوجه لها بالدعاء أو المخاطبة بصورة من الصور التي تتطور إلى عبادة تخترع لها الطقوس وتقدم فيها القرابين.

ويناقش هذا الرأي كما يلي:

أ- هذا الرأي يقرُّ ضمنًا بوجود نزعةٍ إلى البحث عن معبود ،وبشعور الإنسان بوجوب عظمة هذا المعبود.

ب- إنَّ تعدد الكائنات المعبودة في المجتمعات الوثنية وعدمَ الاقتصارِ على عبادةِ كائنٍ واحدٍ كالجبل مثلا أو أحد النجوم أو الأصنام يدلُّ على أن الإنسان في حقيقة الأمر يبحثُ عن قوة عليا مسيطرةٍ ويتخيَّلُ وجودها في مجموع المعبودات التي يتخذها وهذا يدلُّ على شعوره المتأصل بالحاجة إلى قوة خارجية يمكنُ اللجوءُ إليها عندما لا تفلح القوى المادية التي يحسُّها حوله في إجابة طلبه وتحقيق غايته.

2-إن ظاهرة التدينِ- المتمثلة في البحث عن قوةٍ عليا- تعمُّ البشرَ جميعَهم، ولا يستغنون عنها بغريزة من الغرائز الأخرى كحبِّ البقاءِ ، أو حبِّ النوع ، أو حبِّ المعرفة ، أو حبِّ الوطن أو غير ذلك من الغرائز .

كما أنه ظهر في العالم عباقرةٌ دينيون لا يهدؤون بما يجيش في نفوسهم من قوة الشعور بالمجهول وكان يمكنُ أن يوصف هؤلاء العباقرة بالجنون إذا لم يكن هذا المجهول يستحقُّ الاهتمام من كل إنسان، ولكنَّ الواقع غير ذلك فهو أحقُّ من جميع الموجودات بالاهتمام.

وقد أصبح للحاسة الدينية أهميةٌ كبيرةٌ في حياة البشر العلمية أيضا، حيث جعلت عالم الخفاء (الغيب) مما يمكنُ أن يؤمن به الإنسانُ في حياته العملية بدلا مما كان عليه بحسبانه عالما للأوهام والخيالات.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت