فهرس الكتاب

الصفحة 48 من 559

فكان ذلك فتحًا علميًا إذ لم ينحصر أثره في عالم التديُّن والاعتقاد لأنه وسّعَ آفاق الوجود وفتحَ البصيرة للبحث في عالم غير عالم المحسوسات. ولو ظلَّ الإنسان ينكرُ كل شيء لا يحسُّه لما خسر بذلك الديانات وحدها؛ بل لخسرَ معها العلومَ والمعارفَ والقيمَ الخلقيةَ والأدبيةَ

3-إنَّ الدِّينَ لم يكن لازمًا من لوازم الجماعات البشرية لأنه مصلحةٌ وطنية ٌأو حاجةٌ حياتيةٌ حيويةٌ ، لأنَّ الدِّينَ قد وُجد قبل وجودِ الأوطان ، ولأن الحاجةَ الحيوية تتحقق أغراضها في كل زمنٍ، وتتوافر أسبابها في كل حالةٍ ،ولا يزال الإنسان ُبعد تحقق هذه الأغراضِ في حاجة ٍإلى الدِّين. لكنَّ الدِّينَ كان لازمًا؛ لأنه يقرر مكانَ الإنسان الفردِ في الكونِ أو في الحياةِ،ويبيّن للإنسان العلاقاتِ بين الكائنات جميعًا ،ويبيّنُ مصدر الحياةِ، ولأن الإنسانَ لا يقنعُ بالحياة المحدودةِ، فهو يسعى إلى حياةِ الخلودِ، ويريدُ لنفسه أن تتصلَ بالكونِ كلِّه في أوسع مداهُ.

4-وإذا اتفقنا على أنَّ طبيعة الإنسان تشتملُ على رغبة ملحَّةٍ في البقاء وعلى فضولٍ جارفٍ للإطلاع على المجهول خارجَ حدود المحسوسات ، فإنَّ نزعةَ التدين والشعورَ بوجود قوة عليا مسيطرةٍ تصبحُ من الصفات اللازمة للنفس السوية غير المتناقضة ، لأنَّ وجود هذه القوة العالمةَ المطلقةَ التي تديرُ شئون الكون هو وحده القادرُ على إعطاء معنى متناسقٍ لهذه المشاعر البشرية الجارفةِ التي لا يمكن تجاهُلُها. ويعد التيقن من وجود هذه القوة يكون التصرفُ الطبيعيُّ هو السعيُ إلى وجود نوع من الاتصال بينها وبين الإنسان، وهو ما يتمُّ في الواقع عن طريقِ الرسل الكرامِ الذين يبعثهم الله سبحانه وتعالى إلى البشر ليعلموهم ما يجبُ عليهم تجاه الخالق القوي الجبار .

5-إنَّ تفسيراتِ الباحثين في الديانات الذين يتجاهلون ما تقررُه الكتبُ السماويةُ لنزعة التدين ونشأة الدِّين يكتنفُها جميعًا كثيرٌ من الغموضِ والتناقضات ، إذ تقومُ جميعها على التخمين والحدس. فالذي لم يختلفوا فيه مطلقًا هو أصالةُ هذه النزعة في الإنسان ،ولهذا فإن النهج الموضوعيَّ يستلزمُ الرجوعَ إلى المصادر الأخرى غير البشرية للوقوف على المعلومات الصحيحة عن حقيقة النزعة. وهذا ما فسره الإسلام وجلاه بصورة واضحة لا لبس فيها ، إذ يقررُ أنَّ الإنسان مفطورُ على التدين ، قال الله تعالى: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} (30) سورة الروم .

وعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ - رضى الله عنه - قَالَ قَالَ النَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم - « كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ ، كَمَثَلِ الْبَهِيمَةِ تُنْتَجُ الْبَهِيمَةَ ، هَلْ تَرَى فِيهَا جَدْعَاءَ » [1] .

(1) - صحيح البخارى - (1385 ) أطرافه 1358 ، 1359 ، 4775 ، 6599 وصحيح مسلم - (6926 )

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت