فهرس الكتاب

الصفحة 49 من 559

وهذه الفطرة هي الميثاق الذي أخذه الله تعالى من بني آدم وذلك في قوله تعالى: {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ} (172) سورة الأعراف

فالإسلامُ ينظر إلى هذا الأمر نظرةً واضحة بسيطة مفادُها أن نزعة التدين هي نزعةٌ فطريةٌ أصلية وضعها خالقُ الإنسان"جلَّ وعلا"في النفس البشرية السَّوية ليجعلها تتوقُ دائمًا إلى البحث عن المعبودِ القويِّ العزيزِ المتفرِّدِ في عظمته ،ولتكونَ النفسُ مهيأة لتلقِّي أوامرَ خالقها التي تأتيها عن طريق رسلِه وكتبِه فتستشعرُ ما فيها من الحقِّ وتحسُّ تجاههُ بألفةٍ ومودةٍ كما تشعرُ بالشكِّ والاضطرابِ تجاهَ ما يناقضُه ويضادُّه. [1]

*-شواهد من الطبيعة:

1-إن من طبيعة الإنسان أنه عندما يقع في مأزق- ولا يجدُ في القوى المادية معينًا ومنقذًا له- فإنه يلجأ إلى الله تعالى متضرعًا إليه بالدعاء حتى ينقذه مما هو فيه. قال تعالى: { وَإِذَا مَسَّكُمُ الْضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الإِنْسَانُ كَفُورًا 67} الإسراء

فليس لمعبوداتكم التي تعبدونها سبيل إليكم وأنتم في هذا الكرب ..إنهم قابعون هناك حيث تركتموهم في معابدكم ، أحجارا جاثمة ، أو جثثا هامدة .. ولكن سرعان ما تنسون أيها الناس فضل اللّه عليكم ، ورحمته بكم: « فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ » عنه ، وأعطيتم وجوهكم لآلهتكم ..وهذا فوق أنه سفه وضلال ، هو كفران وجحود. [2]

2-إنَّ النفوس مجبولةٌ على حبِّ من يحسن إليها، لذلك تعظمه وتتقرب إليه ، وهذه الفطرة ثابتة حتى في الحيوان. أما ترى أنَّ الكلبَ يكون وفيًا لصاحبه ،حتى إنه يدافع عنه بنفسه ويموت دونه!

(1) - انظر http://www.islamtoday.net/toislam/art-103-2.htm

(2) - التفسير القرآني للقرآن ـ موافقا للمطبوع - (8 / 522) والتفسير الوسيط للقرآن الكريم لطنطاوي - (8 / 394)

إن البشر في قبضة اللّه في كل لحظة وفي كل بقعة. إنهم في قبضته في البر كما هم في قبضته في البحر. فكيف يأمنون؟ كيف يأمنون أن يخسف بهم جانب البر بزلزال أو بر كان ، أو بغيرهما من الأسباب المسخرة لقدرة اللّه؟

أو يرسل عليهم عاصفة بركانية تقذفهم بالحمم والماء والطين والأحجار ، فتهلكهم دون أن يجدوا لهم من دون اللّه وكيلا يحميهم ويدفع عنهم؟

أم كيف يأمنون أن يردهم اللّه إلى البحر فيرسل عليهم ريحا قاصفة ، تقصف الصواري وتحطم السفين ، فيغرقهم بسبب كفرهم وإعراضهم ، فلا يجدون من يطالب بعدهم بتبعة إغراقهم؟

ألا إنها الغفلة أن يعرض الناس عن ربهم ويكفروا. ثم يأمنوا أخذه وكيده. وهم يتوجهون إليه وحده في الشدة ثم ينسونه بعد النجاة. كأنها آخر شدة يمكن أن يأخذهم بها اللّه! -فى ظلال القرآن ـ موافقا للمطبوع - (4 / 2240)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت