فهرس الكتاب
ثَانِيًا: أَنَّ اللَّهَ كَتَبَ ذَلِكَ كُلَّهُ وَسَجَّلَهُ فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ، فَمَا عَلِمَ اللَّهُ كَوْنَهُ وَوُقُوعَهُ مِنْ مَقَادِيرِ الْخَلَائِقِ وَأَصْنَافِ الْمَوْجُودَاتِ وَمَا يَتْبَعُ ذَلِكَ مِنَ الْأَحْوَالِ وَالْأَوْصَافِ وَالْأَفْعَالِ وَدَقِيقِ الْأُمُورِ أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ عليه نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ (28) مَقَادِيرَ الْخَلَائِقِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِخَمْسِينَ أَلْفَ
سَنَةٍ، وَكَانَ
عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ [1] . وَكَمَا قَالَ فِي الْحَدِيثِ
الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ: أَنَّ [2] أَوَّلَ مَا خَلَقَ اللَّهُ الْقَلَمَ؛ قَالَ لَهُ: اكْتُبْ، قَالَ: وَمَا أَكْتُبُ؟ قَالَ: اكْتُبْ مَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى يَوْمِ
الْقِيَامَةِ. هُنَا بِالنَّصْبِ عَلَى الظَّرْفِيَّةِ، وَالْعَامِلُ فِيهِ (قَالَ) ؛ أَيْ: قَالَ لَهُ ذَلِكَ
أَوَّلَ مَا خَلَقَهُ. وَقَدْ رُوِيَ بِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّهُ مُبْتَدَأٌ، وَخَبَرُهُ الْقَلَمُ. وَلِهَذَا اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْعَرْشِ وَالْقَلَمِ؛ أَيُّهُمَا خُلِقَ أَوَّلًا. وَحَكَى الْعَلَّامَةُ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي ذَلِكَ قَوْلَيْنِ، وَاخْتَارَ أَنَّ فِي (النُّونِيَّةِ) : 0@كُتِبَ الْقَضَاءُ بِهِ مِنَ الدَّيَّانِ قَوْلَانِ عِنْدَ أَبِي الْعَلَا الْهَمَدَانِي وَقْتَ الْكِتَابَةِ كَانَ ذَا أَرْكَانِ إِيجَادَهُ مِنْ غَيْرِ فَصْلِ زَمَانِ وَالنَّاسُ مُخْتَلِفُونَ فِي الْقَلَمِ الَّذِي هَلْ كَانَ قَبْلَ الْعَرْشِ أَوْ هُوَ بَعْدَهُ وَالْحَقُّ أَنَّ الْعَرْشَ قَبْلُ لِأَنَّهُ وَكِتَابَةُ أَلَمْ تَعْلَمْ أَن اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ قَدْ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ هُوَ كَائِنٌ إِلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (70) مَا يَقَعُ مِنْ كَائِنَاتٍ وَأَحْدَاثٍ؛ فَهُوَ مُطَابِقٌ لِمَا كُتِبَ
فِيهِ، فَمَا أَصَابَ الْإِنْسَانَ لَمْ أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي حَدِيثِ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (22) الْقَدِيمِ تَارَةً يَكُونُ جُمْلَةً؛ كَمَا فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ؛ فَإِنَّ
فِيهِ مَقَادِيرَ كُلِّ شَيْءٍ، وَيَكُونُ فِي مَوَاضِعَ تَفْصِيلًا فِي الْكَلِمَاتِ الْأَرْبَعِ الَّتِي يُؤْمَرُ الْمَلَكُ فِي الْجَنِينِ؛ يَكْتُبُ رِزْقَهُ، وَأَجَلَهُ، وَعَمَلَهُ، وَشَقِيٌّ أَمْ سَعِيدٌ. فَهَذَا تَقْدِيرٌ خَاصٌّ، وَهَذَا التَّقْدِيرُ السَّابِقُ عَلَى وُجُودِ الْأَشْيَاءِ قَدْ كَانَ يُنْكِرُهُ غُلَاةُ الْقَدَرِيَّةِ قَدِيمًا؛ مِثْلُ: مَعْبَدٍ الْجُهَنِيِّ، وَغَيْلَانَ الدِّمَشْقِيِّ، وَكَانُوا يَقُولُونَ: إِنَّ الْأَمْرَ أُنُفٌ. وَمُنْكِرُ هَذِهِ الدَّرَجَةِ مِنَ الْقَدَرِ كَافِرٌ؛ لِأَنَّهُ
أَنْكَرَ مَعْلُومًا مِنَ
الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ، وَقَدْ ثَبَتَ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ. (وَأَمَّا الدَّرَجَةُ الثَّانِيَةُ؛ فَهِيَ مَشِيئَةُ اللَّهِ النَّافِذَةُ، وَقُدْرَتُهُ الشَّامِلَةُ، وَهُوَ: الْإِيمَانُ مَا شَاءَ اللَّهُ كَانَ، وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ، وَأَنَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي
الْأَرْضِ مِنْ حَرَكَةٍ وَلَا سُكُونٍ؛ إِلَّا بِمَشِيئَةِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ، لَا يَكُونُ فِي مُلْكِهِ مَا لَا يُرِيدُ، وَأَنَّهُ سُبْحَانَهُ
عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ مِنَ الْمَوْجُودَاتِ وَالْمَعْدُومَاتِ، فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ اللَّهُ خَالِقُهُ سُبْحَانَهُ، لَا خَالِقَ غَيْرُهُ، وَلَا رَبَّ سِوَاهُ، وَمَعَ ذَلِكَ؛ فَقَدْ أَمَرَ الْعِبَادَ بِطَاعَتِهِ وَطَاعَةِ رُسُلِهِ، وَنَهَاهُمْ عَنْ مَعْصِيَتِهِ.
(1) مسلم القدر (2653) ، الترمذي القدر (2156) ، أحمد (2/ 169) .
(2) ليس في نص الواسطية ذكر لفظ"أن"أول رواية هذا الحديث التي
ذكرها ثم إن قول
المؤلف"وأول"هنا بالنصب على الظرفية يتنافى مع وجود"أن"أولها إذ لو كان
موجودا لكان نصب"أول"به لا على الظرفية. إسماعيل الأنصاري.