الْمَهْدِيِّينَ مِنْ بَعْدِي، تَمَسَّكُوا بِهَا، وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ، وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ؛ فَإِنَّ كُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ [1] . وَيَعْلَمُونَ أَنَّ أَصْدَقَ الْكَلَامِ كَلَامُ اللَّهِ، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ - صلى الله عليه وسلم - وَيُؤْثِرُونَ كَلَامَ اللَّهِ
عَلَى غَيْرِهِ مِنْ كَلَامِ أَصْنَافِ النَّاسِ، وَيُقَدِّمُونَ هَدْيَ مُحَمَّدٍ - صلى الله عليه وسلم - عَلَى هَدْيِ كُلِّ أَحَدٍ. وَلِهَذَا سُمُّوا أَهْلَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَسُمُّوا أَهْلَ الْجَمَاعَةِ؛
لِأَنَّ الْجَمَاعَةَ هِيَ الِاجْتِمَاعُ، وَضِدُّها الْفُرْقَةُ، وَإِنْ كَانَ لَفْظُ الْجَمَاعَةِ قَدْ صَارَ اسْمًا لِنَفْسِ الْقَوْمِ الْمُجْتَمِعِينَ. وَالْإِجْمَاعُ هُوَ الْأَصْلُ فِي الْعِلْمِ
وَالدِّينِ. وَهُمْ يَزِنُونَ بِهَذِهِ الْأُصُولِ الثَّلَاثَةِ جَمِيعَ مَا عَلَيْهِ النَّاسُ مِنْ أَقْوَالٍ وَأَعْمَالٍ بَاطِنَةٍ أَوْ ظَاهِرَةٍ مِمَّا لَهُ تَعَلُّقٌ بِالدِّينِ. وَالْإِجْمَاعُ الَّذِي يَنْضَبِطُ هُوَ مَا كَانَ عَلَيْهِ السَّلَفُ
الصَّالِحُ؛ إِذْ بَعْدَهُمْ كَثُرَ الِاخْتِلَافُ، وَانْتَشَرَ فِي الْأُمَّةِ. قَوْلُهُ: (ثُمَّ مِنْ طَرِيقَةِ أَهْلِ السُّنَّةِ .. ) إلخ؛ هَذَا بَيَانُ الْمَنْهَجِ لِأَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ فِي اسْتِنْبَاطِ الْأَحْكَامِ الدِّينِيَّةِ كُلِّهَا، أُصُولِهَا وَفُرُوعِهَا، بَعْدَ طَرِيقَتِهِمْ فِي مَسَائِلِ الْأُصُولِ، وَهَذَا الْمَنْهَجُ
يَقُومُ عَلَى أُصُولٍ ثَلَاثَةٍ: أَوَّلُهَا: كِتَابُ اللَّهِ
-عز وجل - الَّذِي هُوَ خَيْرُ الْكَلَامِ وَأَصْدَقُهُ، فَهُمْ لَا يُقَدِّمُونَ عَلَى كَلَامِ اللَّهِ كَلَامَ أَحَدٍ مِنَ النَّاسِ. وَثَانِيهَا: سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - وَمَا أُثِرَ عَنْهُ مِنْ هَدْيٍ وَطَرِيقَةٍ، لَا يُقَدِّمُونَ عَلَى مِنَ النَّاسِ.
(1) أبو داود السنة (4607) ، الدارمي المقدمة (95) .