فهرس الكتاب

الصفحة 27 من 177

لَمَّا بَيَّنَ فِيمَا سَبَقَ أَنَّ أَهْلَ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ يَصِفُونَ اللَّهَ - عز وجل - بِمَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ، وَبِمَا وَصَفَهُ بِهِ رَسُولُهُ، وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ كُلُّهُ إِثْبَاتًا وَلَا كُلُّهُ نَفْيًا؛ نَبَّهَ عَلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: (وَهُوَ سُبْحَانَهُ قَدْ جَمَعَ .. إِلَخْ) .

وَاعْلَمْ أَنَّ كُلًّا مِنَ النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ فِي الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ مُجْمَلٌ وَمُفَصَّلٌ.

أَمَّا الْإِجْمَالُ فِي النَّفْيِ؛ فَهُوَ أَنْ يُنْفَى عَنِ اللَّهِ - عز وجل - كُلُّ مَا يُضَادُّ كَمَالَهُ مِنْ أَنْوَاعِ الْعُيُوبِ وَالنَّقَائِصِ، مِثْلُ قَوْلِهِ تَعَالَى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [1] ، {هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا (65) } [2] ، {سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ (91) } [3] .

وَأَمَّا التَّفْصِيلُ فِي النَّفْيِ؛ فَهُوَ أَنْ يُنَزَّهَ اللَّهُ عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الْعُيُوبِ وَالنَّقَائِصِ بِخُصُوصِهِ، فَيُنَزَّهُ عَنِ الْوَالِدِ، وَالْوَلَدِ، وَالشَّرِيكِ، وَالصَّاحِبَةِ، وَالنِّدِّ، وَالضِّدِّ، وَالْجَهْلِ، وَالْعَجْزِ، وَالضَّلَالِ، وَالنِّسْيَانِ، وَالسِّنَةِ، وَالنَّوْمِ، وَالْعَبَثِ، وَالْبَاطِلِ .. إِلَخْ.

وَلَكِنْ لَيْسَ فِي الْكِتَابِ وَلَا فِي السُّنَّةِ نَفْيٌ مَحْضٌ؛ فَإِنَّ النَّفْيَ الصِّرْفَ لَا مَدْحَ فِيهِ، وَإِنَّمَا يُرَادُ بِكُلِّ نَفْيٍ فِيهِمَا إِثْبَاتُ مَا يُضَادُّهُ مِنَ الْكَمَالِ: فَنَفْيُ الشَّرِيكِ وَالنِّدِّ؛ لِإِثْبَاتِ كَمَالِ عَظَمَتِهِ وَتَفَرُّدِهِ بِصِفَاتِ الْكَمَالِ، وَنَفْيُ الْعَجْزِ؛ لِإِثْبَاتِ كَمَالِ قُدْرَتِهِ، وَنَفْيُ الْجَهْلِ؛ لِإِثْبَاتِ سَعَةِ عِلْمِهِ وَإِحَاطَتِهِ، وَنَفْيُ الظُّلْمِ؛ لِإِثْبَاتِ كَمَالِ عَدْلِهِ، وَنَفْيُ الْعَبَثِ؛ لِإِثْبَاتِ كَمَالِ حِكْمَتِهِ، وَنَفْيُ السِّنَةِ وَالنَّوْمِ وَالْمَوْتِ؛ لِإِثْبَاتِ كَمَالِ حَيَاتِهِ وَقَيُّومِيَّتِهِ .. وَهَكَذَا.

وَلِهَذَا كَانَ النَّفْيُ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ إِنَّمَا يَأْتِي مُجْمَلًا فِي أَكْثَرِ أَحْوَالِهِ؛ بِخِلَافِ الْإِثْبَاتِ؛ فَإِنَّ التَّفْصِيلَ فِيهِ أَكْثَرُ مِنَ الْإِجْمَالِ؛ لِأَنَّهُ مَقْصُودٌ لِذَاتِهِ.

(1) سورة الشورى آية: 11.

(2) سورة مريم آية: 65.

(3) سورة المؤمنون آية: 91.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت