وَأَحَادِيثُ الرُّؤْيَةِ مُتَوَاتِرَةٌ فِي
هَذَا الْمَعْنَى عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ، لَا يُنْكِرُهَا إِلَّا مُلْحِدٌ لَنْ وَأَمَّا وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( [1] ؛
فَلَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ؛ لِأَنَّ نَفْيَ الْإِدْرَاكِ لَا يَسْتَلْزِمُ نَفْيَ الرُّؤْيَةِ، فَالْمُرَادُ أَنَّ الْأَبْصَارَ تَرَاهُ، وَلَكِنْ لَا تُحِيطُ بِهِ رُؤْيَةٌ؛ كَمَا أَنَّ الْعُقُولَ تَعْلَمُهُ وَلَكِنْ لَا تُحِيطُ بِهِ عِلْمًا؛ لِأَنَّ الْإِدْرَاكَ هُوَ الرُّؤْيَةُ عَلَى جِهَةِ الْإِحَاطَةِ، فَهُوَ رُؤْيَةٌ
خَاصَّةٌ، وَنَفْيُ الْخَاصِّ لَا يَسْتَلْزِمُ نَفْيَ عَلَى نَفْيِ الرُّؤْيَةِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى لِمُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ: { (( (( (( (( (( } [2] لَا يَصْلُحُ دَلِيلًا، بَلِ الْآيَةُ
تَدُلُّ عَلَى الرُّؤْيَةِ مِنْ وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ؛ مِنْهَا: 1 - وُقُوعُ السُّؤَالِ مِنْ مُوسَى، وَهُوَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِيمُهُ، وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا
يَسْتَحِيلُ فِي حَقِّ اللَّهِ مِنْ هَؤُلَاءِ الْمُعْتَزِلَةِ، فَلَوْ كَانَتِ الرُّؤْيَةُ مُمْتَنِعَةً لَمَا طَلَبَهَا. 2 - أَنَّ اللَّهَ
-عز وجل - عَلَّقَ الرُّؤْيَةَ عَلَى اسْتِقْرَارِ الْجَبَلِ حَالَ التَّجَلِّي وَهُوَ مُمْكِنٌ، وَالْمُعَلَّقُ عَلَى الْمُمْكِنِ مُمْكِنٌ. 3 - أَنَّ اللَّهَ
تَجَلَّى لِلْجَبَلِ بِالْفِعْلِ، وَهُوَ جَمَادٌ، فَلَا يَمْتَنِعُ إِذًا أَنْ كَلَّا لِأَهْلِ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (15) (لَنْ) ، لِتَأْبِيدِ النَّفْيِ، وَإِنَّهَا تَدُلُّ عَلَى عَدَمِ وُقُوعِ الرُّؤْيَةِ
أَصْلًا فَهُوَ كَذِبٌ عَلَى اللُّغَةِ فَقَدْ قَالَ تَعَالَى حِكَايَةً
عَنِ الْكُفَّارِ: { (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (} [3] ، ثُمَّ قَالَ: (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( (( لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ [4] ،
فَأَخْبَرَ عَنْ عَدَمِ تَمَنِّيهِمْ لِلْمَوْتِ بِـ (لَنْ) ، ثُمَّ أَخْبَرَ عَنْ تَمَنِّيهِمْ لَهُ وَهُمْ فِي النَّارِ. وَإِذًا؛ فَمَعْنَى قَوْلِهِ: (لَنْ تَرَانِي) : لَنْ تَسْتَطِيعَ رُؤْيَتِي فِي الدُّنْيَا؛ لِضَعْفِ قُوَى الْبَشَرِ فِيهَا عَنْ رُؤْيَتِهِ سُبْحَانَهُ، وَلَوْ كَانَتِ الرُّؤْيَةُ مُمْتَنِعَةً لِذَاتِهَا؛ لَقَالَ: إِنِّي لَا أُرَى، أَوْ لَا يَجُوزُ رُؤْيَتِي، أَوْ لَسْتُ بِمَرْئِيٍّ ..
وَنَحْوَ ذَلِكَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. مباحث عامة حول آيات الصفات إِنَّ النَّاظِرَ فِي تَرَانِي الصِّفَاتِ الَّتِي سَاقَهَا الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَسْتَنْبِطَ
مِنْهَا قَوَاعِدَ وَأُصُولًا هَامَّةً يَجِبُ الرُّجُوعُ إِلَيْهَا فِي هَذَا الْبَابِ: الْأَصْلُ الْأَوَّلُ: اتَّفَقَ السَّلَفُ
عَلَى أَنَّهُ يَجِبُ الْإِيمَانُ بِجَمِيعِ الْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى، وَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ مِنَ الصِّفَاتِ، وَمَا يَنْشَأُ عَنْهَا مِنَ الْأَفْعَالِ. مِثَالُ ذَلِكَ الْقُدْرَةُ مَثَلًا، يَجِبُ الْإِيمَانُ بِأَنَّهُ سُبْحَانَهُ عَلَى
كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وَالْإِيمَانُ بِكَمَالِ قُدْرَتِهِ، وَالْإِيمَانُ بِأَنَّ قُدْرَتَهُ نَشَأَتْ عَنْهَا جَمِيعُ الْكَائِنَاتِ .. وَهَكَذَا بَقِيَّةُ الْأَسْمَاءِ عَلَى هَذَا النَّمَطِ.
وَعَلَى هَذَا؛ فَمَا وَرَدَ فِي هَذِهِ الْآيَاتِ الَّتِي سَاقَهَا الْمُصَنِّفُ مِنَ الْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى؛ فَإِنَّهَا دَاخِلَةٌ فِي الْإِيمَانِ
بِالِاسْمِ، وَمَا فِيهَا مِنْ ذِكْرِ الصِّفَاتِ؛ مِثْلِ: عِزَّةِ اللَّهِ، وَقُدْرَتِهِ، وَعِلْمِهِ، وَحِكْمَتِهِ، وَإِرَادَتِهِ، وَمَشِيئَتِهِ، فَإِنَّهَا دَاخِلَةٌ فِي الْإِيمَانِ بِالصِّفَاتِ. وَمَا فِيهَا مِنْ ذِكْرِ الْأَفْعَالِ وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ مِثْلِ: يَعْلَمُ كَذَا، وَيَحْكُمُ مَا يُرِيدُ، وَيَرَى، وَيَسْمَعُ، وَيُنَادِي، وَيُنَاجِي،
وَكَلَّمَ، وَيُكَلِّمُ؛ فَإِنَّهَا دَاخِلَةٌ فِي الْإِيمَانِ يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ هَذِهِ النُّصُوصُ الْقُرْآنِيَّةُ عَلَى أَنَّ صِفَاتِ الْبَارِي قِسْمَانِ: 1
-صِفَاتٌ ذَاتِيَّةٌ لَا تَنْفَكُّ عَنْهَا الذَّاتُ، بَلْ هِيَ لَازِمَةٌ لَهَا أَزَلًا وَأَبَدًا، وَلَا تَتَعَلَّقُ بِهَا مَشِيئَتُهُ
تَعَالَى وَقُدْرَتُهُ، وَذَلِكَ كَصِفَاتِ: الْحَيَاةِ، وَالْعِلْمِ، وَالْقُدْرَةِ، وَالْقُوَّةِ، وَالْعِزَّةِ، وَالْمُلْكِ، وَالْعَظَمَةِ، وَالْكِبْرِيَاءِ، وَالْمَجْدِ، وَالْجَلَالِ .. إلخ. 2 - صِفَاتٌ فِعْلِيَّةٌ تَتَعَلَّقُ بِهَا مَشِيئَتُهُ وَقُدْرَتُهُ كُلَّ وَقْتٍ وَآنٍ، وَتَحْدُثُ بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ آحَادُ تِلْكَ الصِّفَاتِ مِنَ الْأَفْعَالِ، وَإِنْ كَانَ هُوَ
لَمْ يَزَلْ مَوْصُوفًا بِهَا، بِمَعْنَى
أَنَّ نَوْعَهَا قَدِيمٌ، وَأَفْرَادَهَا حَادِثَةٌ، فَهُوَ سُبْحَانَهُ لَمْ يَزَلْ فَعَّالًا لِمَا يُرِيدُ، وَلَمْ يَزَلْ وَلَا يَزَالُ يَقُولُ وَيَتَكَلَّمُ وَيَخْلُقُ وَيُدَبِّرُ الْأُمُورَ، وَأَفْعَالُهُ تَقَعُ
شَيْئًا فَشَيْئًا، تَبَعًا لِحِكْمَتِهِ وَإِرَادَتِهِ. فَعَلَى الْمُؤْمِنِ الْإِيمَانُ بِكُلِّ مَا نَسَبَهُ اللَّهُ لِنَفْسِهِ مِنَ الْأَفْعَالِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِذَاتِهِ؛ كَالِاسْتِوَاءِ عَلَى الْعَرْشِ، وَالْمَجِيءِ،
وَالْإِتْيَانِ، وَالنُّزُولِ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، وَالضَّحِكِ، وَالرِّضَى، وَالْغَضَبِ، وَالْكَرَاهِيَةِ، وَالْمَحَبَّةِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِخَلْقِهِ؛ كَالْخَلْقِ، وَالرِّزْقِ، وَالْإِحْيَاءِ، وَالْإِمَاتَةِ، وَأَنْوَاعِ التَّدْبِيرِ الْمُخْتَلِفَةِ. الْأَصْلُ الثَّالِثُ: إِثْبَاتُ تَفَرُّدِ الرَّبِّ جَلَّ شَأْنُهُ بِكُلِّ صِفَةِ كَمَالٍ،
وَأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ شَرِيكٌ فِي شَيْءٍ الْآيَاتِ السَّابِقَةِ مِنْ إِثْبَاتِ الْمَثَلِ الْأَعْلَى لَهُ وَحْدَهُ، وَنَفْيِ النِّدِّ وَالْمِثْلِ وَالْكُفْءِ وَالسَّمِيِّ وَالشَّرِيكِ عَنْهُ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ؛ كَمَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مُنَزَّهٌ عَنْ كُلِّ نَقْصٍ وَعَيْبٍ وَآفَةٍ. الْأَصْلُ الرَّابِعُ:
إِثْبَاتُ جَمِيعِ مَا وَرَدَ بِهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ مِنَ الصِّفَاتِ، لَا فَرْقَ بَيْنَ الذَّاتِيَّةِ مِنْهَا؛ كَالْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ وَالْإِرَادَةِ وَالْحَيَاةِ وَالسَّمْعِ وَالْبَصَرِ وَنْحَوِهَا، وَالْفِعْلِيَّةِ؛ كَالرِّضَا وَالْمَحَبَّةِ
وَالْغَضَبِ وَالْكَرَاهَةِ، وَكَذَلِكَ لَا فَرْقَ
(1) سورة الأنعام آية: 103.
(2) سورة الأعراف آية: 143.
(3) سورة البقرة آية: 95.
(4) سورة الزخرف آية: 77.