أصل (3)
إذا احتمل كلمة أكثر من معنى واحد، سألنا هل هذه الكلمة أجدر بهذا المعنى من غيرها؟ فإن وجدنا كلمة أخرى أجدر وأقوم وتركها القرآن، علمنا أن القرآن لا يترك أبين الكلام وأقومه، فتركنا ذلك المعنى وأولناها إلى ما هي أصوب له.
مثل قوله تعالى: {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ} [1] في معنى المستطيع كما ذهب إليه صاحب"حجة الله البالغة"فإن الإطاقة يستعمل في القوى الجسمانية، كما قالت الخنساء رضي الله تعالى عنها
وصبرا أن أطقت ولم تطيقي.
وكما جاء في القرآن: {قَالُوا لاَ طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنودِهِ} [2] هذا ليس كما قالوا أن الحقيقة أولى من المجاز فأثبتوا اليد والاستواء، وإنما مرادنا أن لا نأول الكلام إلى معنى كان حقه أم يعبر عنه بكلام غير ما جاء به القرآن. وبهذا الأصل احتج الشافعي -رحمه الله- خلاف تأويل ابن عيينة لحديث:
'من لم يتغن بالقرآن' فإنه كان يقول: يستغني به. فسئل الشافعي -رحمه الله- عن هذا فقال: نحن أعلم بهذا، لو أراد به الاستغناء لقال"من لم يستغن بالقرآن"ولكن لما قال: 'من لم يتغن بالقرآن'. علمنا أنه أراد به التغني. [3]
(1) البقرة 2: 184
(2) البقرة 2: 249
(3) ... زاد المعاد: ج 1 ص 129