وما ورد مما يفهم منه النهي عن السماع من بني إسرائيل والرواية عنهم مطلقا إما منسوخ بما تقدم، أو مراعاة لمصلحة معتبرة، فتروى في حال دون حال، قال الحافظ: (كَانَ تَقَدَّمَ مِنْهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الزَّجْر عَنْ الْأَخْذ عَنْهُمْ وَالنَّظَر فِي كُتُبهمْ ثُمَّ حَصَلَ التَّوَسُّع فِي ذَلِكَ , وَكَأَنَّ النَّهْي وَقَعَ قَبْل اِسْتِقْرَار الْأَحْكَام الْإِسْلَامِيَّة وَالْقَوَاعِد الدِّينِيَّة خَشْيَة الْفِتْنَة، ثُمَّ لَمَّا زَالَ الْمَحْذُور وَقَعَ الْإِذْن فِي ذَلِكَ لِمَا فِي سَمَاع الْأَخْبَار الَّتِي كَانَتْ فِي زَمَانهمْ مِنْ الِاعْتِبَار) (1) ، وقال رحمه الله: (وَالْأَوْلَى فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَة التَّفْرِقَة بَيْن مَنْ لَمْ يَتَمَكَّن وَيَصِرْ مِنْ الرَّاسِخِينَ فِي الْإِيمَان فَلَا يَجُوز لَهُ النَّظَر فِي شَيْء مِنْ ذَلِكَ بِخِلَافِ الرَّاسِخ فَيَجُوز لَهُ وَلَا سِيَّمَا عِنْد الِاحْتِيَاج إِلَى الرَّدّ عَلَى الْمُخَالِف، وَيَدُلّ عَلَى ذَلِكَ نَقْلُ الْأَئِمَّة قَدِيمًا وَحَدِيثًا مِنْ التَّوْرَاة وَإِلْزَامهمْ الْيَهُود بِالتَّصْدِيقِ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَا يَسْتَخْرِجُونَهُ مِنْ كِتَابهمْ، وَلَوْلَا اِعْتِقَادهمْ جَوَاز النَّظَر فِيهِ لَمَا فَعَلُوهُ وَتَوَارَدُوا عَلَيْهِ) (2) .
(1) الفتح 6/575.
(2) الفتح 13/535.