والمقصود أن من أراد أن يلج هذا الباب -أعني باب تنزيل النصوص على الواقع- فيجب عليه أن يلقي على عتبته أهواءه ليسلم له دينه أولا، ويصح له تنزيله ثانيا، أما أن يبقى على هواه ويريد أن يصح التنزيل فلا، وليعلم أنه سيكون ساعتئذ منزلا لهواه على الواقع لا لنصوص مولاه وأقوال نبيه صلى الله عليه و سلم.
من الأخطاء التي يمارسها بعض المشتغلين بتنزيل النصوص على الواقع محاكمة الشرط أو الفتنة أو الملحمة الآتية في ضوء ما يعيشه هو من أحوال، فينبغي التنبه إلى أن لكل زمان أحواله وظروفه، وأن الواجب التسليم للنصوص الشرعية وحملها على ظواهرها وإن لم نعقل كيف سيكون هذا الواقع المستقبلي على جهة التفصيل، بل نحكم ونؤمن بما تضمنه النص وما زاد عن ذلك فاجتهاد يعتريه الصواب والخطأ، ومن لم يراع هذا الأصل وقع في رد بعض النصوص توهما أنها مستحيلة أو ممتنعة ثم تكشف الأيام أن الامتناع متوهم وأن ما تضمنه النص ممكن بل واقع، ومما يدل على المعنى -محاكمة المستقبل للحاضر-:
ما صح عن حذيفة قال: ليأتين عليكم زمان خيركم فيه من لا يأمر بمعروف ولا ينهى عن منكر، فقال رجل من القوم: أيأتي علينا زمان نرى المنكر فيه فلا نغيره، قال: والله لتفعلن، قال: فجعل حذيفة يقول بأصبعه في عينه: كذبت والله ثلاثا، قال الرجل: فكذبت وصدق. (1)
(1) رواه ابن أبي شيبة وأبو نعيم انظر صحيح مرويات حذيفة في الفتن وأشراط الساعة 16 لعصام هادي وقال: (وإسناده حسن) .