فهذا طرف من الموقف من تنزيلات الصحابة مما يبين أن لهم في هذا الباب من الخصوصية ما ليس لغيرهم، إذ لبعضها حكم المرفوع للنبي صلى الله عليه وسلم (1) ، أما مسألة اعتراض المتأخر على المتقدم في تنزيل نصوص الشرع على الواقع، فإنما صح لكون التنزيل عملية اجتهادية، تتعلق أحيانا بحال المجتهد وزمانه فيرى واقعة تشابه النص فينزل، ثم يأتي المتأخر فيرى واقعة هي أحق بالتنزيل فيعترض فهل مثل هذا الاعتراض جائز وهل له أمثلة من كتب أهل العلم؟ أما الجواب فنعم (2) ، على أن لا ينعقد على هذا التنزيل إجماع متقدم لكون الأمة معصومة عن الخطأ، وأسباب الاعتراض على التنزيل يكون راجعا إلى ما ترجع إليه أسباب الاختلاف عند أهل العلم كعدم بلوغ النص أو عدم ثبوته أو عدم ظهور المعنى أو لغير ذلك، وفي الجملة فمسألة التنزيل قريبة الشبه بما يسمى عند الأصوليين بتحقيق المناط، فما يكون سببا في الاختلاف في هذه فهو سبب في الاختلاف في تلك، والعمدة في الترجيح برجحان الأدلة والله أعلم.
(1) وانظر ما تقدم في حكم موقوفات الصحابة.
(2) فمن ذلك مثلا:
حديث حذيفة في الخير والشر انظر صحيح البخاري 7084 وكلام الحافظ 13/ 40.
النار التي تخرج من أرض الحجاز انظر كلام الإمام السخاوي في القناعة 66.
المدينة المعنية في قول النبي صلى الله عليه وسلم: (سمعتم بمدينة جانب منها في البر وجانب منها في البحر) انظر ما رواه مسلم 2920 وكلام الشيخ الأشقر اليوم الآخر القيامة الصغرى 230.
فتنة الأحلاس وفتنة السراء وفتنة الدهيماء، انظر الإذاعة 70، واليوم الآخر القيامة الصغرى 204.