فمثل هذه النصوص لا تستدعي من منزلها على الواقع تكلفا أصلا بل يجب أن تكون الوقائع ظاهرة في انطباق النصوص عليها، نعم إن الأمر يستدعي أناة وتثبتا للتحقق من الانطباق، أما لي أعناق النصوص، واستحداث صفات أو تعطيل صفات، أو تحريف معاني النص لموافقة الواقعة فهي كلها تكلفات غير جائزة، تعطل النصوص من دلائلها الأصلية، لتنزلها على وقائع غير مرادة ولا مقصودة، وعليه فلا يصح أن تكون مثل هذه النصوص مما لا يستبين تنزيلها إلا للخواص إذ الحاجة إلى التعرف على تنزيلها حاجة عامة، فكيف لا يستبين أمرها ولا يتضح مقاصدها إلا على أيدي أولئك العابثين بها لا شك أن هذا أمارة الخطأ وعلامة الزلل، ولذا قال الحسن معلقا على حديث أرسله عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهو حديث: (إن من أشراط الساعة أن تقاتلوا قوما وجوههم كالمجان المطرقة، وأن تقاتلوا قوما نعالهم الشعر) قال: قد رأينا الأول وهم الترك، ورأينا هؤلاء وهم الأكراد، قال الحسن: فإذا كنت في أشراط الساعة فكأنك قد عاينته (1) ، وهذا القول منه رحمه الله مؤكد لما تقدم من معان.
وقد وقعت مخالفات من بعض المنزلين لهذا الأصل فتراهم يتكلفون تنزيل النصوص على أشخاص أو أحوال ولا تكون هذه الأحوال مقصودة بتلك النصوص، خذ مثلا قول صديق حسن خان في تعليقه على حديث الرايات السود قال:
(وقد حمل قوم من علماء الهند هذا الحديث على خروج السيد أحمد البريلوي بتكلفات باردة، مع أن السيد كان رجلا صالحا، وحج وجاهد وغزا، ولم يدع المهدوية قط، ولم تكن تنبغي له هذه الدعوى) (2) .
فقد وقع أولئك في شرك التكلف، وكان ينبغي أن يكون الأمر أسهل من هذا وأظهر، وعلى ما سبق يمكن أن يقال: إن التكلف في تطبيق النص على الواقع أمارة على عدم صحة التنزيل والله أعلم.
(1) رواه نعيم بن حماد في الفتن 1933.
(2) الإذاعة 136، وانظر الإذاعة 158