فهرس الكتاب

الصفحة 25 من 89

3 -أن الشرع علق حل التجارة على التراضي، دون النظر إلى التقيد بأية شكلية ما لم يكن منهيًا عنها بنصوص أخرى، فقال تعالى: {لا تأكُلُوا أموالَكُم بينَكُم بالباطِلِ إلا أنْ تَكُونَ تجارةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ} [1] ، ولم يفصل في وسائل التعبير عن التراضي، فيرجع فيه إلى العرف، والعرف جارٍ قديمًا وحديثًا على صلاحية الكتابة للتعبير عن الرضا والإرادة، فهي صالحة لإنشاء العقود التجارية [2] .

4 -أن الأحكام تتعلق بالكلام أو العمل، قال ^: =إن الله عز وجل تجاوز لأمتي عما حدثت به أنفسها ما لم تعمل أو تتكلم به+ [3] . والكتابة عمل [4] ، فتتعلق بها الأحكام، ومنها إنشاء العقود التجارية.

5 -إن الكتابة هي وسيلة من وسائل التعبير عن الإرادة كالخطاب [5] .

6 -أن من عرف مراد المتكلم بدليل من الأدلة وجب اتباع مراده، والألفاظ لم تقصد لذواتها، وإنما هي أدلة يستدل بها على مراد المتكلم، فإذا ظهر مراده ووضح بأي طريق كان عُمِلَ بمقتضاه، سواء كان بإشارة أو كتابة ... أو عادة له مطردة لا يخل بها [6] .

الترجيح:

الذي يظهر للباحث أن الراجح هو ما ذهب إليه الموسعون القائلون بجواز إنشاء العقود التجارية بالكتابة سواء كان العقد بين الحاضرين أم بين الغائبين، وبالتالي جواز إنشاء عقود التجارة الإلكترونية بالكتابة الإلكترونية، وذلك لقوة أدلتهم ووضوحها، وسلامة ما استدلوا به، ولضعف أدلة أصحاب الأقوال الأخرى، أمام المناقشة، ولموافقة ما رجحه الباحث للأدلة والقواعد الشرعية، وتحقيقه لمصلحة الناس وبخاصة في هذا العصر، مع تباعد الأقطار، وكثرة العقود وتوسع التجارة وتطور وسائل الاتصال، وخدمتها للمتعاملين معها بحيث تختصر الزمان والمكان، وتخفض الأسعار مع أقل الجهود وتحفظ لكل طرف حقه، وتحقق رغبته وشروطه دون نقصان أو نسيان، قد يحصل عند إجراء العقد باللفظ، والدين لم يأت إلا بما فيه مصالح العباد في العاجل والآجل، والله تعالى أعلم.

وهذا الذي رجحه الباحث هو ما قام عليه مشروع نظام التعاملات الإلكترونية السعودي ـ وتقوم عليه جميع قوانين التجارة الإلكترونية والتعاملات الإلكترونية ـ مع إجرائها وفق الشروط التي نص عليه المشروع.

وعلى القول بصحة التعاقد بالكتابة فإنه لا بد في الكتابة المتعاقد بها من شرطين:

الأول: أن تكون الكتابة مستبينة، وهي الكتابة على شيء تظهر عليه وتبقى صورتها بعد الفراغ

(1) سورة النساء، الآية: 29.

(2) انظر: شيخ الإسلام ابن تيمية، مصدر سابق (29/ 7 - 18) ، ود. علي القره داغي، بحث حكم إجراء العقود (2/ 947) .

(3) صحيح البخاري، كتاب العتق، باب الخطأ والنسيان (3/ 119) ، وصحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب تجاوز الله عن حديث النفس والخواطر بالقلب إذا لم تستقر (1/ 117) رقم 202، واللفظ لمسلم.

(4) انظر: شيخ الإسلام ابن تيمية، مصدر سابق (29/ 9) .

(5) انظر: د. علي القره داغي، مبدأ الرضا (2/ 949) ، ود. عبدالرزاق الهيتي، مصدر سابق، (ص 54) .

(6) ابن قيمة الجوزية، أعلام الموقعين، مصدر سابق (1/ 218) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت