فهرس الكتاب

الصفحة 44 من 89

كل ما يدل على الإعراض عن الإيجاب تفرقًا بقطع الخيار، ومن نصوصهم في ذلك ما جاء في الفتاوى الهندية: =رجل قال لغيره أعطيتك هذا بكذا، فلم يقل المشتري شيئًا حتى كلم البائع إنسانًا في حاجة له، بطل البيع+ [1] .

بل إن الحنفية بالفوافي اشتراط وحدة المكان في مجلس العقد، فجعلوا التتابع وهما يمشيان أو يركبان، ولو دابة واحدة غير منعقد لاختلاف المجلس؛ لأن القبول يقع في غير مكان الإيجاب، إذ المشي يعتبر فاصلًا بين الإيجاب والقبول، وعليه فالعقد لا يعتبر مستكملًا شروطه في هذه الحالة، فلا ينعقد، ولم يعتبروا السير على السفينة مؤثرًا؛ لأن المجلس فيها لا يتبدل بجريانها بخلاف المجلس في المشي، وفي السير على الدابة، فإن المجلس يتبدل فيهما، فيؤثر في صحة العقد، ولأن السفينة لا يملك المتعاقدان إيقافها، بخلاف الدابة [2] .

ولكن الراجح أن المجلس هو الزمن الذي يظل فيه المتعاقدان مشتغلين بالتعاقد، فإن أعرضا عن العقد، واشتغلا عنه بما يقطعه عرفًا فقد انقطع المجلس، ومن نصوص أهل العلم في ذلك: ما جاء في البحر الرائق: =المجلس المتحد: أن لا يشتغل أحد المتعاقدين بعمل غير ما عقد له المجلس، أو ما هو دليل الإعراض عن العقد+ [3] . وفي مواهب الجليل: =وإن تراخى القبول عن الإيجاب حتى انقضى المجلس لم يلزمه البيع اتفاقًا، وكذا لو حصل فاصل يقتضي الإعراض عما كانا فيه حتى لا يكون كلامه جوابًا للكلام السابق في العرف، لم ينعقد البيع+ [4] . وفي الإنصاف: =وإن تراخى القبول عن الإيجاب: صح، ماداما في المجلس، ولم يتشاغلا بما يقطعه، قيد الأصحاب قولهم =ولم يتشاغلا بما يقطعه+ بالعرف+ [5] .

فالعبرة هو الإعراض عن العقد، سواء كان ذلك بالقيام من المجلس، أو كان ذلك بالإعراض عنه والاشتغال بغيره، ولو كان المجلس باقيًا، فلا ينبغي أن يؤثر انتقالهما من مجلس إلى مجلس آخر ماداما منشغلين بالعقد، وبناءً على ذلك كان مجلس العقد في الاتصال بهاتف الإنترنت، أو بأي نوع من أنواع الاتصال الصوتي المباشر، هو زمن الاتصال (المكالمة الهاتفية) مادام الكلام في شأن العقد، فإن انتقل المتحدثان إلى حديث آخر انتهى المجلس، وإن كان الاتصال مازال جاريًا، وكان للموجب إليه (القابل) الخيار بعد صدور الإيجاب ما لم يتراجع الموجب عنه، وحتى يصدر القبول منه، وبعده على رأي القائلين بخيار المجلس، إلى أن تنتهي المكالمة ماداما منشغلين بالعقد، أو ينقطع الاتصال بأي وجه كان [6] . والله أعلم.

3 -خيار المجلس:

إن عقد التجارة الإلكترونية المبرم عن طريق الإنترنت بأي صورة من صور الاتصال الصوتي المباشر له شبه بالعقد بين حاضرين من حيث الزمان، لأن كل واحد من المتعاقدين يسمع كلام الآخر مباشرة من دون فاصل زمني، فتعبير الموجب يصل إلى علم الآخر فور صدوره، وتعبير القابل يصل إلى علم الموجب فور صدوره، كما لو كانا في مجلس واحد يشاهد كل منهما الآخر.

وله شبه بالعقد بين غائبين، لوجود كل منهما في مكان بعيد عن الآخر وافتراقه عنه، مما يؤدي إلى عدم معرفة كل من المتعاقدين بتحركات صاحبه وتصرفاته، وهذا الفرق في التعاقد بين الحاضرين والغائبين جعل بعض القائلين بخيار المجلس يسقطونه بالنسبة للمتعاقدين المتباعدين، قال الرافعي في العزيز شرح الوجيز: =لو تناديا متباعدين وتبايعا، صح البيع، وما حكم الخيار؟ قال الإمام: يحتمل أن يقال: لا خيار؛ لأن التفرق الطارئ قاطع للخيار، فالمقارن يمنع ثبوته+ [7] .

إلا أن الراجح هو القول ببقاء الخيار لهما؛ لأننا لا يمكننا إلحاق هذا العقد بالعقد بين غائبين لأننا ذكرنا أنه عقد بين حاضرين من حيث الزمان، وإذا كان كذلك فلا بد من تحقق التفرق فيه حتى يحكم بانتهاء المجلس، ولهذا قال الرافعي مشيرًا إلى هذا القول: =ويحتمل أن يقال: يثبت ماداما في موضعهما+ [8] .

وبما أن التفرق يعود تحديده إلى عرف الناس وعاداتهم [9] ، فإنه لا يمكننا القطع بأن التفرق المكاني الحاصل بين المتعاقدين من خلال جهاز الإنترنت هو تفرق منه لمجلس العقد؛ لأن العرف قد قضى بعدم وجود فرقة بين المتعاقدين من خلال الاتصال الصوتي بأي وسيلة كان.

وبناء عليه فإنه يمكن القول بثبوت خيار المجلس للمتعاقدين من خلال الاتصال الصوتي المباشر بأي شكل كان عبر الإنترنت، لاسيما وقد قال بعض أهل العلم بثبوت خيار المجلس للمتعاقدين المتباعدين، قال النووي - رحمه الله: =والأصح في الجملة ثبوت الخيار+ [10] [11] ، ويستمر مادام الكلام موصولًا بينهما، ويحصل التفرق بمجرد انتهاء الاتصال بأي صورة حصل الانتهاء، أو يشترطان أو أحدهما عدم الخيار [12] . والله تعالى أعلم.

مسألة: أما إذا كان الاتصال بين العاقدين مباشرًا بالصوت والصورة معًا، وذلك في صور منها مؤتمر الفيديو، وغرف المحادثة المرئية، فإن مجلس العقد فيه لا يختلف من حيث انتهائه عن مجلس العقد بين المتباعدين الذين يرى كل منهما صاحبه أثناء التعاقد، والذي يمتد بينهما مادام أنه لم يفارق أحدهما مكان

(1) الشيخ نظام، الفتاوى الهندية (3/ 8) .

(2) انظر: علاء الدين الكاساني، مصدر سابق (5/ 137) ، وابن نجيم، البحر الرائق (5/ 294) .

(3) ابن نجيم الحنفي، البحر الرائق (5/ 293) .

(4) الحطاب، مواهب الجليل (6/ 240) .

(5) علاء الدين المرداوي، الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف، تحقيق: د. عبدالله التركي، ط أولى 1415هـ، هجر للطباعة والنشر، الجيزة (11/ 11) .

(6) انظر: دبيان الدبيان، مرجع سابق، (ص 173، 175) ، ود. علي القره داغي، مرجع سابق (2/ 933، 934) .

(7) العزيز شرح الوجيز (4/ 178) .

(8) العزيز شرح الوجيز (4/ 178) .

(9) انظر: محي الدين النووي، المجموع (9/ 180) ، وموفق الدين ابن قدامة، المغني (6/ 12) .

(10) محي الدين النووي، المجموع (9/ 180) .

(11) انظر: د. علي القره داغي، مرجع سابق (6/ 937 - 940) ، ود. عبدالرزاق الهيتي، مرجع سابق (26 - 30) .

(12) وانظر: محي الدين النووي، روضة الطالبين (3/ 437، 438) ، وموفق الدين ابن قدامة، المغني (6/ 10 - 14) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت