ـ ويقول تعالى: (( إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ ) ) [1] ، (( وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ ) ) [2] فقد شبه الله الكفار بالموتى لأن عقولهم (قلوبهم) ميتة لأنه ليس فيها وظيفة الإحساس بالقيمة.
ـ فالإحساس بالقيمة يجعل المعرفة بالله معرفة حقيقية فيحيا الإنسان، ففي تفسير روح المعاني: (( يا أيها الذين آمنوا إستجيبوا لله وللرسول بالتصفية إذا دعاكم لما يحييكم وهو العلم بالله تعالى ) ) [3] ، (( أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ) ) [4] .
ـ خطورة غياب الإحساس بالقيمة:
ـ عدم وجود الإحساس بالقيمة يجعل الإنسان لا يعرف أي شيء ولا يعلم أي شيء ولا يوقن بأي شيء ولا يؤمن بأي شيء فهو غافل عن كل شيء وجاهل بكل شيء وهو أعمى القلب عن كل شيء، ونوضح ذلك كالتالي:
ـ العلاقة بين الإحساس بالقيمة والمعرفة والعلم والفهم:
ـ الذي يعرف الشيء ويعلمه ويفهمه من غير أن يشعر بقيمته ومدى ما فيه من ألم ولذة هو في الحقيقة لا يعرفه ولا يعلمه ولا يفهمه.
ـ فمعرفة الشيء بغير الإحساس بقيمته هي معرفة نظرية فقط، أما المعرفة الحقيقية هي معرفة الشيء مع الإحساس بقيمته، وكذلك العلم والفهم.
ـ فالمعرفة النظرية هي معرفة بغير إحساس بالقيمة، والمعرفة الحقيقية هي معرفة مع وجود الإحساس بالقيمة، والعلم النظري هو علم بغير إحساس بالقيمة، والعلم الحقيقي هو علم مع وجود الإحساس بالقيمة، والفهم النظري هو فهم بغير الإحساس بالقيمة، والفهم الحقيقي هو فهم مع وجود الإحساس بالقيمة.
ـ فالمعنى الذي يهم من معرفة أي شيء هو معرفة مدى أهميته أو مدى قدره وقيمته أو مدى ما ينشأ عنه من نفع أو ضرر والشعور بتلك القيمة، فالذي يهم من معنى (رب) أي الشعور بأنه ذو قدر كبير أكبر من قدر الناس والأشياء ونوضح ذلك كالتالي:
ـ كل إنسان له قدر وقيمة فمثلا المدير في العمل له قدر أكبر من الزميل في العمل من حيث شعورك بالهيبة والتعظيم له، ووكيل الوزارة له قدر أكبر وهيبة أكبر، ورئيس الوزارة له هيبة أكبر، ورئيس الدولة له قدر أكبر، وأنت تشعر عنده بالهيبة لمكانته، وتشعر بالخوف منه لأن له قدرة على أن يؤذيك، وتريد أن يرضى عنك لأن له قدرة على أن يعطيك فترجوا ما عنده، فتحدث هذه المشاعر من الهيبة والخوف والرجاء خاصة إذا كنت عند ذلك الشخص وهو أمامك وينظر إليك، أنت في هذه الدنيا عند الله تقف على أرضه وتحت سماءه في ملكه وهو أمامك ينظر إليك، وهو يرأس كل هؤلاء الوزراء والملوك وذوي السلطات والسلطان، وهم جميعا تحت أمره وسلطانه، فهل تشعر بنفس هذا الشعور من الهيبة والخوف والرجاء مع هؤلاء، أي هل تجد نفس هذه الحالة النفسية التي تشعر بها مع هؤلاء؟.
ـ وكذلك الأشياء لها قيمة، فالألف جنيه له قيمة، والمليون له قيمة أكبر، وكذلك السيارات والشركات والمصانع والفيلات ... الخ، كل شيء له قيمة، وبالتالي له قدر من الحب والرجاء في الحصول عليه والخوف من ضياعه، وكل هذه الأشياء هي جزء ضئيل من ممتلكات الله، فالله له قدر أكبر من قيمة وقدر كل هذه الأموال والأشياء لأنه مالكها، فأنت ما أخذته من شيء لم تأخذه إلا عندما أذن لك صاحبه، فلا تستطيع أن تتنفس نفسا إلا إذا أذن لك الله بذلك، فإذا كانت هذه الأشياء لها قيمة وقدر من الحب والخوف والرجاء فهل تشعر بالحب والخوف والرجاء من صاحبها.
ـ الجهل والغفلة والغباء والنسيان له صورتين هما:
1ـ غياب المعرفة النظرية والعلم النظري والفهم النظري.
2ـ غياب المعرفة الحقيقية والعلم الحقيقي والفهم الحقيقي مع وجود المعرفة النظرية والعلم النظري والفهم النظري.
ـ إذن فكلمة الجهل بالله والآخرة أو الغفلة عن الله والآخرة أو نسيان الله والآخرة يقصد بها غياب المعرفة الحقيقية وغياب العلم الحقيقي وغياب الفهم الحقيقي مع وجود المعرفة النظرية والعلم النظري والفهم النظري.
(1) النمل: 80
(2) فاطر: 22
(3) روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني ـ محمود الألوسي أبو الفضل ـ دار إحياء الثراث ـ بيروت (ج: 9، ص: 208)
(4) الأنعام: 122