فهرس الكتاب

الصفحة 27 من 166

ـ فالغافل عن الغيبيات يعيش كأنه ليس له رب وكأنه لا توجد آخرة ولا ملائكة ولا حساب، وذلك رغم وجود اليقين النظري التام بالغيبيات، وحقيقة اليقين عنده هو أنه لا يؤمن بالغيبيات.

ـ والغافل عن حقيقة الدنيا يعيش كأنه لن يموت، ويظل مخدوعا بزينتها متلهيا بها حتى يموت، وذلك رغم وجود اليقين النظري التام بالموت وبضآلة الدنيا، وحقيقة اليقين عنده هو أن الحياة إنما هي في الدنيا وأنه لن يموت فهو يعبد الدنيا.

ـ مفهوم الجهل بالله والآخرة أو الغفلة عن الله والآخرة أو نسيان الله والآخرة:

ـ المعرفة النظرية معناها إفراغ الكلمة من محتواها، فتصبح عديمة القيمة، فمثلا المعرفة النظرية بوجود الله وقدره وعظمته موجودة عند جميع الناس، لكن المعرفة الحقيقية بوجود الله وقدره وعظمته غير موجود عند البعض لعدم وجود الإحساس بقدر الله وعظمته.

ـ فالغافل عن الله أو الجاهل بالله أو الذي ينسى الله يعيش كأنه يجهل وجود الله وعظمته كأنه لم يسمع عن كلمة (الله) ، حيث حدث إفراغ لكلمة (الله) من محتواها الحقيقي فتصبح كأنها عديمة الأهمية وعديمة التأثير، فالكلمة التي لا يشعر الإنسان بما فيها من نفع أو ضرر أو أهمية تصبح كأنها كلمة لا تنفع ولا تضر، والإنسان لا يشعر ولا يتأثر بما لا ينفع ولا يضر وليس ذو قيمة أو أهمية.

ـ وكذلك المعرفة النظرية بوجود الآخرة وخطورتها موجودة عند جميع الناس، والغافل عن الآخرة أو الجاهل بالآخرة أو الذي ينسى الآخرة يعيش كأنه يجهل وجود الآخرة وخطورة ما فيها من نفع أو ضرر كأنه لا يعرف شيئا اسمه (الآخرة) حيث حدث إفراغ لكلمة (الآخرة) من محتواها الحقيقي فتصبح كأنها عديمة الأهمية وعديمة التأثير، فالكلمة التي لا يشعر الإنسان بما فيها من نفع أو ضرر أو أهمية تصبح كأنها كلمة لا تنفع ولا تضر، والإنسان لا يشعر ولا يتأثر بما لا ينفع ولا يضر وليس ذو قيمة أو أهمية.

ـ فالغافل عن الآخرة يتعامل مع كلمة (الآخرة) كأنها تتحدث عن بشر غير موجودون على الأرض وأن هؤلاء البشر سوف يذهبون لعالم آخر غير الأرض، إذن فالقضية لا تخصه هو ولا تعنيه ولا تضره ولا تنفعه فلا يشعر بقيمتها، ولا مانع من أن يوافق عليها فلا يهتم بالتدقيق في حدوثها من عدمه لأنها لا تخصه، وعندئذ تكون موافقة نظرية وليست حقيقية.

ـ الفرق بين اليقين النظري واليقين الحقيقي:

ـ اليقين النظري هو يقين مبني على معرفة نظرية، واليقين الحقيقي هو يقين مبني على معرفة حقيقية.

ـ فاليقين النظري معناه أنه يوافق على الأمر من حيث الأدلة فهو صحيح نظريا.

ـ لتوضيح اليقين النظري يمكن أن نتصور أن الرسل جاءت للناس تقول لهم: (يجب على الإنسان أن يخضع لله) ، فكان الناس صنفين هما:

1ـ منهم من وافق وخضع: فهو وافق عليها من الناحية النظرية (يقين نظري) وأحس بخطورة ما تعنيه من الخضوع فوافق عليها (يقين حقيقي) فخضع.

2ـ ومنهم من وافق على هذه العبارة من حيث أنها عبارة صحيحة فهو ليس لديه دليل يثبت أنها ليست صحيحة، ولكنه استكبر عن الخضوع، فهذا الإنسان عنده يقين نظري بأنه يجب على أي إنسان أن يخضع، فهو يوافق على هذه العبارة من حيث المبدأ ومن الناحية النظرية على أنها نظرية صحيحة، ولكن ليس لديه يقين حقيقي بذلك حيث أنه لا يقبل الخضوع، فهو يتعامل مع هذه العبارة كأنها تخاطب بشرا آخرين في كوكب آخر ليسوا على الأرض فلا يخصه الأمر، كأن الكلام ليس موجها له، أو كأن هذا الكلام باللغة الإنجليزية وهو لا يعرف غير العربية فبالنسبة له كأنه طلاسم، فهو اكتفى باليقين النظري فقط.

ـ كما أن التصديق الحقيقي لابد أن يؤدي إلى الخضوع والإذعان، لذلك فالتصديق الحقيقي هو التصديق المستلزم لقبول الخضوع والإذعان، أما التصديق بغير خضوع وإذعان فهو تصديق نظري لا قيمة له، فيقول ابن عثيمين: (( الإيمان هو:"الاعتراف المستلزم للقبول والإذعان"أما مجرد أن يؤمن الإنسان بالشيء بدون أن يكون لديه قبول وإذعان، فهذا ليس بإيمان، بدليل أن المشركين مؤمنون بوجود الله ومؤمنون بأن الله هو الخالق، الرازق، المحيي، المميت، المدبر للأمور، وكذلك أيضًا فإن الواحد منهم قد يقر برسالة النبي، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ولا يكون مؤمنًا، فهذا أبو طالب عم النبي، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، كان يقرُّ بأن النبي، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، صادق وأن دينه حق يقول: لقد علموا أن ابننا لا مكذب ... لدينا ولا يعنى بقول الأباطيل ) ) [1] .

ـ فاليقين النظري معناه أن الإنسان يكون مثل جهاز الكمبيوتر تعطي له معلومات ومعطيات فيعطي لك نتيجة سواء كانت النتيجة مكسب أو خسارة فهو لا يشعر بخطورة النتيجة فليس لديه إحساس بالقيمة وليس عنده فرق بين أن تكون حجم النتيجة كبير جدا أو صغير، وليس لديه فرق بين رقم مليون ورقم واحد فكلاهما بالنسبة له مجرد أرقام، فليس لديه مشاعر ليفرح بالمكسب أو يحزن بالخسارة، فلا يوجد أي تفاعل سواء سلبا أو إيجابا، فالكمبيوتر يعطي نتيجة بأن هناك آخرة وغيبيات وأن ذلك حق فقط، كذلك الإنسان له عقل مثل الكمبيوتر والرسل تأتي له بالدلائل والبراهين فيعطي نتيجة بأنه موقن تماما بالغيبيات والآخرة، فهذا يقين نظري فقط.

ـ فاليقين موجود عند الكافر والمؤمن، ولكن اليقين عند الكافر هو يقين مع غياب الإحساس بالقيمة فهو يقين نظري وليس بيقين حقيقي، أما المؤمن فعنده يقين مع إحساس بالقيمة.

ـ فلا يتحقق اليقين الحقيقي بالآخرة حتى تكون الآخرة حقيقة واقعة في ذهن المؤمن وبالتالي تؤثر على مشاعره وهمومه وتفكيره وأمانيه لأنها الخطر المترقب والحياة المنتظرة، ولا يتحقق اليقين الحقيقي بوجود الله حتى يكون وجود من له القوة والهيمنة والسيطرة على الإنسان والكون حقيقة واقعة في ذهن المؤمن وبالتالي يعيش في إطار أنه مستعبد يعيش تحت سيطرة صاحب هذا الكون راضيا بأن عليه أن يعيش عيشة الذل والخضوع والاستسلام للجبار المتكبر.

ـ إن الكافر والمنافق عنده يقين نظري بصدق الرسول (ص) ، ورغم ذلك ففي القبر لا يدرون من ربهم كأنه لا يعرف ماذا يعني (الله) لأن هذا كان حقيقة حاله في الدنيا، ومما يدل على غفلته وعدم تأثر مشاعره وهمومه وتفكيره وأمانيه هو قوله في القبر: (لا أدري سمعت الناس يقولون شيئا فقلته) ، ففي الحديث: (( ما من شيء لم أكن أريته إلا رأيته في مقامي هذا حتى الجنة والنار ولقد أوحي إلى أنكم تفتنون في قبوركم مثل ـ أو قريبا من ـ فتنة المسيح الدجال يؤتى أحدكم فيقال له ما علمك بهذا الرجل فأما المؤمن أو الموقن فيقول هو محمد رسول الله جاءنا بالبينات والهدى فأجبنا وآمنا واتبعنا هو محمد ثلاثا فيقال له نم صالحا قد علمنا إن كنت لموقنا به وأما المنافق أو المرتاب فيقول لا أدري سمعت الناس يقولون شيئا فقلته ) ) [2] .

ـ وفي تفسير ابن كثير: (( وقوله: {وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ} : النداء الأول عن سؤال التوحيد، وهذا فيه إثبات النبوات: ماذا كان جوابكم للمرسلين إليكم؟ وكيف كان حالكم معهم؟ وهذا كما يُسأل العبد في قبره: مَنْ ربك؟ ومَنْ نبيك؟ وما دينك؟ فأما المؤمن فيشهد أنه لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبد الله ورسوله، وأما الكافر فيقول: هاه .. هاه لا أدري؛ ولهذا لا جواب له يوم القيامة غير السكوت؛ لأن مَنْ كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلا ولهذا قال تعالى: {فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الأنْبَاءُ يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لا يَتَسَاءَلُونَ} ) ) [3] .

ـ فاليقين النظري بشيء بغير إحساس بخطورته هو يقين هزلي غير حقيقي وجاد وفعلي يصدر من إنسان يلعب ويلهو كالأطفال ولذلك يقول تعالى: (( إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ، وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ ) ) [4] ، (( ذَلِكُمْ بِأَنَّكُمُ اتَّخَذْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا وَغَرَّتْكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ لا يُخْرَجُونَ مِنْهَا وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ ) ) [5] .

ـ أي معلومة لابد فيها من جانب معرفي وجانب شعوري، الموافقة على الجانب المعرفي تتم باليقين النظري، والموافقة على الجانب الشعوري تتم بالإحساس بالقيمة (فيصبح يقينا حقيقيا) ، فالإنسان يكون موافقا على المعلومة موافقة حقيقية إذا وافق عليها من الجانبين، أما إذا وافق على المعلومة من الجانب المعرفي فقط فهو في الحقيقة غير موافق على هذه المعلومة، وهذا اليقين عندئذ يقينا نظريا فقط.

ـ الأدلة على أن اليقين بربوبية الله عند الكفار والمنافقين هو يقين نظري وليس حقيقي:

ـ جاء في تفسير أبي السعود: (( وقوله تعالى نحن خلقناكم فلولا تصدقون .. أى فهلا تصدقون بالخلق فإن مالا يحققه العلم ولا يساعده بل ينبئ عن خلافه ليس من التصديق في شيء وقيل بالبعث استدلالا عليه بالإنشاء فإن من قدر عليه قدر على الإعادة حتما والأول هو الوجه كما ستحيط به خبرا ) ) [6] ، وفي تفسير الكشاف: (( {فَلَوْلاَ تُصَدِّقُونَ} تحضيض على التصديق: إما بالخلق لأنهم وإن كانوا مصدّقين به، إلا أنهم لما كان مذهبهم خلاف ما يقتضيه التصديق، فكأنهم مكذبون به. وإما بالبعث؛ لأنّ من خلق أولًا لم يمتنع عليه أن يخلق ثانيًا ) ) [7] .

ـ وفي تفسير أبي السعود: (((أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لَا يُوقِنُونَ) أي إذا سئلوا من خلقكم وخلق السموات والأرض قالوا الله وهم غير موقنين بما قالوا وإلا لما أعرضوا عن عبادته )) [8] ، وفي تفسير البحر المحيط: (( {بَل لا يُوقِنُونَ} : أي إذا سئلوا: من خلقكم وخلق السموات والأرض؟ قالوا: الله، وهم شاكون فيما يقولون لا يوقنون ) ) [9] وفي تفسير

(1) مجموع فتاوى ورسائل العثيمين - (3/ 146)

(2) تحقيق الألباني: صحيح (صحيح الجامع برقم 5722)

(3) تفسير ابن كثير - (ج 6 / ص 250)

(4) الطارق: 13، 14

(5) الجاثية: 35

(6) تفسير أبي السعود - (ج 8 / ص 196)

(7) تفسير الكشاف - (ج 6 / ص 483)

(8) تفسيرأبيالسعود - (8/ 151)

(9) تفسيرالبحرالمحيط موافق للمطبوع (ادارالفكر) - (8/ 115)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت