فهرس الكتاب

الصفحة 36 من 166

ـ فمن الناس أموات خارج القبور فهم يأكلون ويشربون ويمشون ولكن ماتت وظائفهم لموت الإحساس بالقيمة عندهم، وهؤلاء الأموات إما أن يكونوا كافرين أو مسلمين وقعوا في النفاق الأكبر وهم لا يشعرون ويحسبون أنهم مهتدين وذلك لموت قلوبهم ووظائفهم حيث طبع الله على قلوبهم، فهؤلاء في الدنيا وعند الناس هم مسلمين وليسوا منافقين ولا كافرين ولكن عند الله هم منافقين، وحقيقة اليقين عند هؤلاء المسلمين الأموات هي على عكس ما يدعون.

ـ العلاقة بين غياب الإحساس بالقيمة والغباء ونسيان النفس:

ـ المنافق والكافر يوقن نظريا بصدق دعوة الرسل، ويعلم ما هو عليه من النفاق أو الكفر لكن لا يشعر بخطورة ما هو عليه من النفاق أو الكفر، وذلك لأنه فقد الإحساس بحقائق الأمور وبحقيقة ما ينفعه مما يضره، فمثلا هو يعلم في داخله أنه لا يشعر بالخضوع والحب لله ويعلم أن ذلك يدخله النار، ولكن لا يشعر بخطورة ذلك الأمر لأنه لا يشعر أصلا بخطورة أمر الجنة والنار، فيتجاهل مسألة أن ما هو عليه من النفاق أو الكفر يدخله النار وكأنها قضية لا تعنيه، فيتناسى ذلك الأمر أو ينساه.

ـ فيصف الله الكفار بأنهم لا يعقلون: (( صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ ) ) [1] ، وفي تفسير اللباب في علوم الكتاب: (( {لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ} قال ابن عباس -(رضي الله عنهما) : أي عَقْل )) [2] ، فهو عندئذ لا يعرف مصلحة نفسه معرفة حقيقية، وما فيه النفع والسعادة لها وما فيه الضرر والشقاء لها، فلا يعرف أين تكون السعادة التي يبحث عنها الإنسان في حياته، فيعيش يتخبط حيث يظن السعادة في المال أو الجاه أو السلطان أو الشهوات فلا يجني غير الشقاء، وهو في يقينه النظري يعلم أنه يسير في طريق لن يصل به إلى السعادة لكنه يتجاهل ذلك ويناساه وينسى نفسه وما يسعدها، وهذا معناه أنه يتخبط فيسير كأنه لا عقل له أو يسير كالأعمى يتخبط في الظلمات: (( أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمْ مَنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ) ) [3] .

ـ إن المؤمن يعمل من أجل شهوات النساء والخمور والقصور، ولكنها شهوات النساء من الحور العين والخمور الكثيرة في أنهار الجنة والقصور في جنة النعيم وليس النساء من الحور الطين ذات الشهوة الضئيلة وخمور الدنيا.

ـ وفي تفسير القطان: (( فأنساهم أنفسهم: بما ابتلاهم من غياب الإحساس بقدر وحب الدنيا، فصاروا لا يعرفون ما ينفعها مما يضرها ) ) [4] ، وفي أيسر التفاسير للجزائري - (ج 4 / ص 76) : {ولكني أراكم قوما تجهلون} : أي حظوظ أنفسكم وما ينبغي لها من الإِسعاد والكمال )) [5] وفي تفسير البغوي: (( {فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ} أي حظوظ أنفسهم حتى لم يقدموا لها خيرا ) ) [6] فحظوظ النفس ومتعها هي التي في الآخرة ونحن نظن أن حظوظ النفس إنما هي في الدنيا.

ـ فمثلا خمر الجنة يختلف عن خمر الدنيا وعن المواد المخدرة، فأي إنسان عاقل يبحث عن اللذة ويبتعد عن الألم، فالعاقل يبحث عن اللذة التي في المخدرات والخمور ولكن اللذة الحقيقية الغير مختلطة بمضار كثيرة واللذة الكبيرة الغير محدودة في خمر الجنة، ففي تفسير البحر المديد: (( {لا يُصَدَّعون عنها} أي: بسببها، أي: لا يصدر عنها صُداع، وهو وجع الرأس، {ولا يُنزَفُونَ} ولا يسكرون، يقال: نزَف الرجل: ذهب عقله بالسُكر ) ) [7] .

ـ كلمات المعرفة والعلم واليقين والإيمان والتصديق إذا أطلقت على الله والآخرة والقرآن والدين فيقصد بها المعرفة الحقيقية والعلم الحقيقي واليقين الحقيقي والإيمان الحقيقي والتصديق الحقيقي بالله والآخرة والقرآن والدين:

ـ المعرفة الحقيقية بالله هي المعرفة النظرية بالله مع الإحساس بقدر الله، وعبارة المعرفة بالله يقصد بها المعرفة الحقيقية بالله، وهكذا.

ـ وكذلك فالإيمان الحقيقي بالله هو الإيمان النظري بالله مع الإحساس بقدر الله، وعبارة الإيمان بالله يقصد بها الإيمان الحقيقي بالله، وهكذا.

ـ وكل الناس مسلمين وكافرين عندهم معرفة نظرية وعلم نظري ويقين نظري وإيمان نظري وتصديق نظري بالله والآخرة والقرآن والدين.

(1) البقرة: من الآية 171

(2) اللباب في علوم الكتاب (ج 14 / ص 363)

(3) الملك: 22

(4) تفسير القطان - (ج 3 / ص 321)

(5) تفسير ابن كثير - (ج 6 / ص 250)

(6) تفسير البغوي: (ج 8 / ص 86)

(7) البحر المديد - (ج 6 / ص 222)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت