ومما يرجح هذا القول حديث صاحب كبة الشعر التي أخذها من الغنائم ثم رفعها بيده، وسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يهبه إياها، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (( أما ما كان لي، ولبني عبد المطلب، فهو لك ) ) [1] . فالحديث أفاد جواز هبة المجهول، لأن نصيب النبي صلى الله عليه وسلم ونصيب بني عبد المطلب من الكبة مجهول [2] ، وأيضًا ما روت أم سلمة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لرجلين اختصما إليه في مواريث دَرَست: (( اقتسما، وتوخيا الحق، ثم استهما، ثم تحالا ) ) [3] . فدل الحديث على جواز الإبراء من الحقوق المجهولة.
ومما يدل على جواز تعليق الهبة قول النبي صلى الله عليه وسلم لأم سلمة: {إن رجعت هديتنا إلى النجاشي فهي لك} . فهذه هبة معلقة على أمر مستقبل.
والقول الثاني هو الراجح، وحتى على القول الأول، لو كانت الهبة على سبيل الوعد لا التعليق فتصح، قال ابن قدامة -رحمه الله-:"لا يصح تعليق الهبة بشرط; لأنها تمليك لمعين في الحياة, فلم يجز تعليقها على شرط, كالبيع. فإن علقها على شرط .. كان وعدا" [4] .
وعلى هذا فلو أن البنك وعد العميل بأن يتنازل عما زاد من القيمة السوقية لحصته عن قيمتها الاسمية وعائدٍ محدد فيصح هذا الوعد ويكون لازمًا له. والله أعلم.
وصورة ذلك أن يمول البنك عميله تمويل مشاركة، على أن يكون للبنك الأولوية عند التصفية باستعادة رأس ماله أولًا قبل بقية الشركاء. وهذا أحد أنواع أسهم الامتياز (Preferred Shares) .
(1) أخرجه أحمد 2/ 184، وأبو داود (كتاب الجهاد / باب فداء الأسير بالمال برقم 2694) والنسائي (كتاب الهبات / باب هبة المشاع برقم 3688) من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده. والحديث قال عنه الهيثمي في المجمع (6/ 188) : (( رواه أحمد ورجال أحد إسناديه ثقات ) )وقال أحمد شاكر في تحقيق المسند (11/ 18) : (( إسناده صحيح ) )، وحسنه الألباني في الإرواء (5/ 36) .
(2) إعلام الموقعين 2/ 9.
(3) أخرجه أحمد (6/ 320) وأبو داود (كتاب الأقضية / باب في قضاء القاضي إذا أحطأ برقم 3583) . والحديث صححه الألباني في الإرواء (5/ 252) .
(4) المغني 5/ 386.