فالخلاصة هنا، إنه لا يلزم أن تكون البينة على المدعي وإن كان هذا هو الأصل، بل الأدَقّ في الكلام أن نقول بأن البينة على من عليه التهمة. هذا ما صرّح به البهوتي حيث يقول:"ومحل هذا الحكم فيما إذا حصل التنازع بينهما ولم يكن مع رب المال بينة. أما إذا أتى رب المال ببينة تشهد بخلاف ما ادعاه المضارب، يعمل ببينة على ما تقرر في فنِّ القضاء." [1]
وهذا أيضا تعليل ما رُوي عن رأي الإمام مالك رحمه الله أن المضارب ضامن إذا ادعى خسارة وكان وجه ما ادعاه غير معروف، [2] فهو في هذه الحالة في محل التهمة، فلو أراد أن ينكر فإنكاره لابد أن يكون مدعما بالبينة. ولوحظ أيضا هذا المعنى فيما روي عن الشافعي والبهوتي الذي سبق ذكره في هذه الورقة. [3]
وعودا إلى موضوعنا، فتهمة التقصير والتعدي موجودة لدى بعض المنشآت الصغيرة والمتوسطة كما بينَّا، وعلى هذا الأساس قلنا بأن البينة عليها لإزالة هذه التهمة. أما الشركات الكبيرة المعروفة بحسن معاملتها وقوتها المالية، فالحكم الأصلي وهو أن الكلام كلام المضارب مطبّق عليها.
وأما بالنسبة للعملاء الآخرين، اقترح الباحث أن تتم دراسة أوضاعهم وتصنيفهم بما هو المناسب، مثلا على حسب أعمارهم ووظائفهم لمعرفة طبيعتهم، فالصنف الذي ثبتت عليهم تهمة التقصير والتعدي، يطبق عليهم الحل المقترح وهو أن يكون المضارب ضامنا إلا إذا يستطيع أن يأتي ببينة تزيل تلك التهمة. وأما الآخرون الذين لم يتهموا بالتقصير والتعدي، فلا يطبق عليهم هذا الحل بل تجري المضاربة على حكمها الأصلي كما يراه جمهور الفقهاء.
الحل المقترح هو الحل المتوسط بين عدم ضمان المضارب وضمانه. لعله يعطي الثقة الأكبر للمؤسسات المالية الإسلامية في تمويل عملائها من خلال عقد المضاربة، وفي نفس الوقت سيشعر
(1) البهوتي، كشاف القناع، 3/ 523.
(2) وقد جاء في المنتقى شرح الموطاء:"فإن ادعى (المضارب) خسارة وكان وجه ما ادعاه معروفا بأن يكون من سافر مثل سفره أو تجر مثل تجارته أصابه ذلك أو كان وجهه معروفا فهو مصدق، وإن ادعى من ذلك ما لا يعرف فروى ابن أيمن عن مالك أنه ضامن. الباجي، المنتقى شرح الموطأ، 5/ 165."
(3) انظر: الشافعي، الأم، 7/ 114 والبهوتي، كشاف القناع عن متن الإقناع، 3/ 486.