وقد رأى بعض الأطراف أن الديمقراطية في الجزائر بدت مهربًا كما هي حل، فكمية الأخطاء و (حجم الفساد) جعلا عددًا من الأقوياء في مراحل سابقة على استعداد لتحويل المسؤولية والتبعات إلى غيرهم شريطة أن تغلق دفاتر الماضي وتنسى الحسابات, وبدا ذلك بالإمكان عندما تم الاتفاق على نوع من الميثاق الوطني تجري على أساسه انتخابات تشريعية عامة تضع للجزائر دستورًا جديدًا، لكن الخروج من المأزق سواء بالحل أو بالهرب أثبت صعوبته وذلك لتخوف البيروقراطية العسكرية التي استولت على الجزائر وآموالها من الحساب على ما جرى من نتائج الاختناق بالعجز والفساد [1] .
وازدادت تلك المخاوف عندما أسفرت نتائج أول انتخابات جزائرية عام 1992 عن فوز الجبهة الإسلامية للإنقاذ التي تشككت البيروقراطية العسكرية من أن الجبهة لديها حلول ناجعة للمشكلات وربما كان جزء منها صحيحًا، ثم تصورت تلك البيروقراطية أن الجبهة عندما تتولى وترى الطريق للمستقبل صعبًا، فإنه أسهل المخارج لها قد يكون العودة إلى فتح الملفات القديمة.
لذلك ألغت البيروقراطية العسكرية نتيجة الانتخابات التشريعية، وأعلنت حالة الطوارئ وقررت تصفية التيار الإسلامي من الجزائر، منذ ذلك الوقت أصبح القتل صناعة ثقيلة، فالبيروقراطية بدأت بالضربة الأولى، ثم ردت عليها الجماعات الإسلامية، واندلعت نار الهيجان [2] . إن ذلك تسبب في الإخلال بالسكينة في الجزائر وبالتالي الإخلال بالنظام العام الذي كان واحدًا من أهم أسبابه إن لم يكن السبب الرئيس هو الفساد الذي استشرى في ذلك البلد.
(1) انظر تصريحات الرئيس بوتفليقة وشهادة الجنرال محمد يتشين في موضع سابق من هذا البحث في الصفحة (143)
(2) م ن/ ص222.