الأولى: أن يكون المسكوت عنه أولى بالحكم من المنطوق، كالآية المتقدمة، فإنها دلت بمفهومها على تحريم الضرب والسب واللعن ونحو ذلك، وهذا المعنى يدرك بمجرد فهم اللغة، ولا يحتاج إلى بحث ولا نظر، وهذا المعنى موافق للمسكوت عنه في الحكم، وهو النهي الذي يفيد التحريم، بل هو أولى من المنطوق، كما تقدم، فإن الله تعالى نبه بمنع الأدنى على منع ما هو أولى منه.
الثانية: أن يكون المسكوت عنه مساويًا للمنطوق، كقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا} [النساء/10] فقد دلت الآية بمنطوقها على تحريم أكل أموال اليتامى، ودلت بمفهومها على تحريم إحراقها أو إغراقها أو إتلافها بأي نوع من أنواع الإتلاف، فهذه الأمور تساوي أكل أموالهم ظلمًا بجامع الاعتداء على مال اليتيم القاصر العاجز عن دفع الاعتداء عنه، فنبه بالمنع من الأكل على كل ما يساويه في الإتلاف.
ومفهوم الموافقة حجة بالإجماع، كما نقل ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية، وقال: (إن إنكاره من بدع الظاهرية التي لم يسبقهم بها أحد من السلف) « (1) » .
قوله: (أو بمفهوم المخالفة إذا خالف المنطوق في حكمه … الخ) هذا النوع الثاني من نوعي المفهوم، وهو مفهوم المخالفة، وهو ما خالف المسكوتُ عنه المنطوقَ في الحكم، بسبب كون المنطوق وصف بوصف أو شرط فيه شرط، ويسمى الأول مفهوم الصفة، والثاني: مفهوم الشرط، وقد اقتصر عليهما الشيخ - رحمه الله - ولعل ذلك لكونهما من أهم مفاهيم المخالفة.
(1) مجموع الفتاوى (21/ 207) .