والأصل براءة الذمة من حقوق الخلق، كالديون، فمن ادعى على غيره حقًا فلا بد من البينة، فإن لم يأت ببينة تشهد بصحة دعواه، فعلى الآخر اليمين التي تنفي ما ادعاه المدعي، لقوله - صلى الله عليه وسلم: (لو يعطى الناس بدعواهم، لأدعى ناس دماء رجال وأموالهم، ولكن اليمين على المدعى عليه) « (1) » ، وفي رواية (البينة على المدعي، واليمين على من أنكر) « (2) » .
3 -قوله: (الأصل بقاء ما اشتغلت به الذمم من حقوق الله وحقوق عباده حتى يتيقن البراءة والأداء) هذه القاعدة مقابلة لما قبلها، لأن الأولى في استصحاب العدم، وهذه في استصحاب الوجود.
فإذا شُغلت الذمة بحق الله تعالى، كصلاة، أو كفارة، ونحو ذلك، أو بحق المخلوق، كدين، أو ثمن مبيع، ونحو ذلك، فالأصل بقاء ذلك في الذمة حتى يحصل اليقين ببراءة الذمة من حق الله تعالى، وأداء حق المخلوق.
فلو شك هل صلَّى الظهر - مثلًا - فلا بد أن يبرئ ذمته بيقين، ولو شك هل صلّى ثلاثًا أو أربعًا، وهو منفرد، بنى على اليقين، لأن الأصل بقاء الصلاة في ذمته، وإذا شك الصائم في غروب الشمس، لم يفطر اعتبارًا بالأصل، وهو بقاء النهار، وإذا شك في طلوع الفجر، جاز أن يأكل اعتبارًا بالأصل، وهو بقاء الليل، ففي كلتا الحالتين يبني على اليقين، ولا يلتفت إلى الشك، لأن اليقين لا يرتفع بالشك، ولو طاف للنسك، ثم شك، هل طاف بطهارة أم لا؟ لم يلزمه إعادة الطواف، لأنه أدى العبادة في الظاهر، فلا يسقط حكم ذلك بالشك، وهذا مبني على القول باشتراط الطهارة للطواف، وإذا شُك في عدد الرضعات، بني على اليقين، ولو استدان من شخص مالًا، فالأصل أنه باق في ذمته حتى يتيقن الأداء.
(1) أخرجه البخاري (4552) ومسلم (1711) .
(2) هذه رواية البيهقي (10/ 252) وإسنادها صحيح.