فالأول كقوله تعالى: {يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} [فاطر/8] فقد تشتبه هذه الآية على من يظن أن هداية الله تعالى وإضلاله ليس لها سبب، فنجد آيات أخرى تكشف هذا الاشتباه وتجليه كقوله تعالى: {يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلام} [المائدة/16] وقوله تعالى: {فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ} [لأعراف/30] .
والثاني: مثل كيفية صفات الله تعالى، فهي من قبيل المتشابه الذي لا يعلمه إلا الله، وأما معانيها فهي واضحة لا خفاء فيها، كما قال الإمام مالك - رحمه الله - لما سئل عن استواء الله على عرشه، فقال: (الكيف غير معلوم، والاستواء غير مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة) .
ومنه - أيضًا - حقائق ما أخبر الله به من نعيم الجنة وعذاب النار، قال تعالى: {فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ} [السجدة/17] قال ابن عباس رضي الله عنهما: (ليس في الدنيا مما في الجنة إلا الأسماء) « (1) » .
وينبغي أن يعلم أن البحث في المتشابه الذي استأثر الله بعلمه لا يتصل به شيء من التكليف، وكان الأولى عدم ذكره في أصول الفقه لهذا لسبب، لكنهم يذكرونه من باب تتمة القول في دلالات الألفاظ وأنواع نصوص الكتاب والسنة، والله أعلم.
(1) أخرجه ابن حزم في النحل (2/ 108) وقال: (هذا سند غاية في الصحة) وقال المنذري في الترغيب (4/ 560) : (رواه البيهقي بإسناد جيد) .