فإن وُجد دليل يصرف النهي إلى الكراهة أُخذ به، كقوله - صلى الله عليه وسلم: (لا يمسنَّ أحدكم ذكره بيمينه وهو يبول) « (1) » فالنهي عن مس الذكر باليمين محمول على الكراهة - على ما حكاه الحافظ ابن حجر - رحمه الله - عن الجمهور « (2) » -، والدليل الصارف له حديث قيس بن طلق بن علي عن أبيه - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سئل عن الرجل يمس ذكره أعليه وضوء؟ قال: (لا، إنما هو بَضْعَةٌ منك) « (3) » ، والبضعة: بفتح الباء وسكون الضاد المعجمة: قطعة اللحم، أي: كما لا ينتقض الوضوء من مس الجسد والأعضاء، فكذا لا ينتقض من مس الذكر، لأن الذكر قطعة من الجسد.
والأصل في الكلام: الحقيقة فلا يعدل به إلى المجاز - إن قلنا به - إلا إذا تعذرت الحقيقة، والحقيقة ثلاثة: شرعية، ولغوية، وعرفية.
فما حكم به الشارع وحَدَّهُ: وجب الرجوع فيه إلى الحد الشرعي، وما حكم به ولم يحدَّه اكتفاءً بظهور معناه اللغوي: وجب الرجوع فيه إلى اللغة، وما لم يكن له حد في الشرع ولا في اللغة: رجع فيه إلى عادة الناس وعرفهم، وقد يصرح الشارع بإرجاع هذه الأمور إلى العرف، كالأمر بالمعروف، والمعاشرة بالمعروف ونحوهما، فاحفظ هذه الأصول التي يضطر إليها الفقيه في كل تصرفاته الفقيه.
هذا هو الأصل الثالث وهو يتعلق بالحقيقة والمجاز: فالأصل في الكلام الحقيقة، وهي اللفظ المستعمل فيما وضع له، مثل كلمة (أسد) في الحيوان المفترس.
قوله: (فلا يعدل به إلى المجاز … الخ) المجاز: هو اللفظ المستعمل في غير ما وضع له، لعلاقة مع قرينة مانعة من إرادة المعنى الأصلي، مثل: رأيت أسدًا يرمي، تريد رجلًا شجاعًا.
(1) أخرجه البخاري (153) ومسلم (267) (63) .
(2) فتح الباري (1/ 253) .
(3) أخرجه أبو داود (182 - 183) والنسائي (1/ 101) والترمذي (85) وهو حديث صحيح، وله طرق.