فلا يصار إلى المعنى المجازي إذ أمكن المعنى الحقيقي، لأن الحقيقة أصل، والمجاز فرع عنه، لكن إذا تعذر حمل الكلام على الحقيقة فإنه يصار إلى المجاز، ويتعلق به الحكم، لأن إعمال الكلام خير من إهماله، فإذا قال: والله لأكلن من هذه الشجرة، فإن المراد ثمرها لا من خشبها لتعذر ذلك.
ومن أمثلة ذلك: قوله تعالى: {أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ} [النساء/43] فالمعنى الحقيقي لكلمة (الغائط) المكان المنخفض من الأرض تقضى فيه الحاجة رغبة في التستر، ثم نقل وصار يطلق على الفضلة الخارجة من الإنسان، فحمل اللفظ على حقيقته متعذر، لأن مجرد المجيء من تلك المواضع ليس بحدث ينقض الوضوء ويوجب الطهارة، فتعين حمله على المعنى المجازي، وهو الخارج من السبيلين.
وقوله عن المجاز: (إن قلنا به) أشار به إلى الخلاف في المجاز وأن حمل اللفظ على مجازه مبني على إثبات المجاز.
وقد اختلف في وقوعه في القرآن، فمن أهل العلم من نفاه مطلقًا، ومنهم من أثبته، والأظهر التفصيل وهو أن المجاز واقع في القرآن ماعدا آيات الصفات، فهي محمولة على حقيقتها ووجها اللائق بالله تعالى، ويمتنع حملها على المجاز، أما ما عداها فيدخله المجاز بشرطه المتقدم، كقوله تعالى: {وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ} [يوسف/82] ، وقوله تعالى: {وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّل} [الإسراء/24] ، وقوله تعالى: {جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَض} [الكهف/77] ، وهذا مذهب طائفة من أهل السنة، منهم الإمام الشافعي « (1) » - وإن لم يسمه مجازًا - والخطيب البغدادي « (2) » وذلك لأن القرآن نزل بلغة العرب، والمجاز لغة العرب وعادتها.
(1) انظر: الرسالة ص (62 - 63) .
(2) انظر: الفقيه والمتفقه (1/ 214) .