فهرس الكتاب

الصفحة 74 من 114

ومنها أن «المشقة تجلب التيسير» وبنوا على هذا جميع رُخَصِ السفر، والتخفيف في العبادات والمعاملات وغيرها.

هذه هي القاعدة الثانية: وهي «المشقة تجلب التيسير» وهي قاعدة عظيمة، تدخل تحتها رخص السفر من الفطر والقصر والجمع، وغير ذلك، كما يدخل تحتها التخفيف في العبادات، فالمريض يصلي قائمًا، فإن لم يستطع صلّى قاعدًا، ومن لم يستطع أن يسجد أومأ بالسجود، كما يدخل في ذلك الاكتفاء بنضح بول الغلام الذي لم يأكل الطعام بشهية، وكذا العفو عن قيئه، وكذا المعاملات، كإباحة العرايا، وبيع السلم، وحمل العاقلة الدية في قتل الخطأ، وغير ذلك.

ودليل هذه القاعدة عمومات الشريعة، كقوله تعالى: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [البقرة/185] ، وقوله تعالى: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الحج/78] ، قال الشاطبي - رحمه الله: (إن الأدلة على رفع الحرج عن هذه الأمة بلغت مبلغ القطع) « (1) » .

والمراد بالمشقة - هنا: المشقة الزائدة التي لا يمكن للمكلف أن يستمر على تحملها عادة إلا ببذل أقصى الجهد، ولا تمكن المداومة عليها، بحيث تؤدي إلى وقوع الضرر أو الأذى في النفس أو المال، أما المعتادة التي تكون مقدورة للإنسان ويمكن أن يتحملها وأن يداوم عليها، فلا يتعلق بها تخفيف، كالوضوء بالماء البارد في الشتاء، وكالجوع العادي الذي يناله الصائم في رمضان، وما يحصل في بعض مناسك الحج من تعب، ونحو ذلك.

ومنها: قولهم: «لا واجب مع العجز، ولا محرم مع الضرورة» ، فالشارع لم يوجب علينا ما لا نقدر عليه بالكلية، وما أوجبه من الواجبات فعجز عنه العبد: سقط عنه، وإذا قدر على بعضه: وجب عليه ما يقدر عليه، وسقط عنه ما يعجز عنه، وأمثلتها كثيرة جدًا، وكذلك ما احتاج الخلق إليه: لم يحرمه عليهم.

(1) الموافقات (1/ 231) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت