فهرس الكتاب

الصفحة 61 من 114

فذهب بعض الصحابة، ومنهم الخلفاء الأربعة رضي الله عنهم، والأئمة الأربعة - رحمهم الله - إلى أنه لا يجب الوضوء مما مست النار، لأنه لا يتعارض الفعل والقول، ولما كان الفعل متأخرًا صار ناسخًا للقول، لأنه يشمل النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ لأن المخاطب يدخل في عموم خطابه على الراجح، ما لم يرد دليل على خلافه، فالقول بالنسخ هنا قوي، والله أعلم.

وقوله: (فخصائص النبي - صلى الله عليه وسلم - تنبني على هذا الأصل) ظاهره أن التعارض بين قوله - صلى الله عليه وسلم - وفعله هو الطريق الوحيد لمعرفة الخصائص النبوية، وهذا فيه نظر، فإن كثيرًا من الخصائص مجرد عن التعارض، بل إن من الخصائص ما ثبت بالنص، كقوله تعالى عن النكاح بلفظ الهبة: {خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ} [الأحزاب/50] وكما تقدم في الوصال وغير ذلك مما هو مقرر في محله، والله أعلم.

وكذلك إذا فعل شيئًا على وجه العبادة، ولم يأمر به، فالصحيح: أنه للاستحباب، وإن فعله على وجه العادة: دل على الإباحة.

وما أقره النبي - صلى الله عليه وسلم - من الأقوال والأفعال حكم عليه بالإباحة أو غيرها على الوجه الذي أقره.

تقدم أن السنة قول وفعل وتقرير، وقد انتهى الكلام على القول، وأشار بهذا إلى الفعل إشارة موجزة، فذكر أن له وجهين:

الأول: ما فعله على وجه الطاعة والقربة والعبادة، فالراجح أنه مستحب، فنفعل مثل فعله، لأن القربة طاعة، وهي غير خارجة عن الواجب والمندوب، والقدر المشترك بينهما ترجيح الفعل على الترك، وهذه حقيقة المندوب.

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله: (وما فعله النبي - صلى الله عليه وسلم - على وجه التعبد فهو عبادة، يُشرع التأسي به فيه، فإذا خصص زمانًا أو مكانًا بعبادة، كان تخصيصه تلك العبادة سنة) « (1) » .

(1) مجموع الفتاوى (10/ 409) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت