وبوب البخاري في صحيحه، في كتاب (الأشربة) باب (الشرب قائمًا) وذكر فيه عن النزَّال بن سبرة، قال: (أُتي علي - رضي الله عنه - على باب الرحبة بماء فشرب قائمًا فقال: إن ناسًا يكره أحدهم أن يشرب وهو قائم، وإني رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - فعل، كما رأيتموني فعلت) « (1) » .
فنهيه - صلى الله عليه وسلم - عن الشرب قائمًا وشربه قائمًا بينهما تعارض في الظاهر، ولا يمكن حمل الفعل على الخصوصية، لفعل علي - رضي الله عنه -، والظاهر أن النهي محمول على التنزيه، وشربه قائمًا لبيان الجواز « (2) » ، ولا يكون مكروهًا في حقه أصلًا، ويؤيد ذلك حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: (سقيت النبي - صلى الله عليه وسلم - من زمزم، فشرب وهو قائم) « (3) » .
وهذا يقوي القول بنسخ النهي، لأن هذا الفعل كان في حجة الوداع، وما ورد فيها من أحكام وهو معارضٌ أحكامًا غير معلومة التاريخ؛ فهو ناسخ لتلك الأحكام، لأن في هذه الحجة كمال الدين، وجميع الأحكام الواردة فيها محكمة.
ومن الأمثلة أيضًا: حديث أبي هريرة وعائشة - رضي الله عنهما - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (توضئوا مما مست النار) « (4) » ، وقد عارض ذلك ما ورد عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أنه - صلى الله عليه وسلم: (أكل كتف شاة ثم صلَّى ولم يتوضأ) « (5) » ، وقال جابر - رضي الله عنه: (كان آخرَ الأمرين من رسول الله تركُ الوضوء مما مست النار) « (6) » .
(1) أخرجه البخاري (5615) .
(2) انظر: فتح الباري (3/ 493) .
(3) أخرجه البخاري (1637) .
(4) أخرجه مسلم (352) (353) .
(5) أخرجه مسلم (354) .
(6) تقدم تخريجه.