فهرس الكتاب

الصفحة 16 من 114

أن تكون المفسدة راجحة، وهي التي تضمنت مصلحة ولكن جانب المفسدة أغلب، مثل: الخمر والميسر والربا والظلم ونحو ذلك، فإن هذه المذكورات فيها مصالح كسب المال وما يحصل لفاعلها من اللذة، لكن مفاسدها أعظم قال تعالى: {يَسْأَلونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا} [البقرة/219] ، وهذه ينهى عنها الشرع نهي تحريم أو كراهة، لأن العبرة بالغالب، ولا ينظر إلى ما فيها من المصلحة، لضعف أثرها وغلبة المفسدة عليها.

يقول ابن القيم - رحمه الله: (ولما كانت خاصةُ العقل النظرَ فيه إلى العواقب والغايات كان أعقلُ الناس أتركَهم لما ترجحت مفسدته في العاقبة، وإن كانت فيه لذة ومنفعة يسيرة بالنسبة إلى مضرته) « (1) » .

وأما المباحات: فإن الشارع أباحها وأذن فيها، وقد يتوصل بها إلى الخير فتلحق بالمأمورات، وإلى الشر فتلحق بالمنهيات.

فهذا أصل كبير: أن الوسائل لها أحكام المقاصد، وبه نعلم: أن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وما لا يتم المسنون إلا به فهو مسنون، وما يتوقف الحرام عليه فهو حرام، ووسائل المكروه مكروهة.

قوله: (وأما المباحات فإن الشرع أباحها … الخ) ذكر هنا النوع الثاني من نوعي المباح، وهو المباح الذي صار وسيلة لمأمور به أو منهي عنه، فيكون حكمه حكم ما كان وسيلة إليه، فإن كان المباح يتوصل به إلى الخير فهو مأمور به أمر إيجاب أو استحباب، ويثاب على ذلك بحسب نيته، فمثلًا: النوم مباح، فإذا كان وسيلة للتقوي على طاعة الله تعالى أو كسب الرزق صار مستحبًا يثاب عليه المكلف.

(1) مفتاح دار السعادة (2/ 14) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت