وقد دل كلام الشيخ - رحمه الله - على أن الفقه يقوم على الأدلة الكلية، وهي قواعد الأصول وعلى الأدلة الجزئية التي تستنبط منه الأحكام، وهي الكتاب والسنة وما يستند إليهما من الإجماع والقياس، وهو بهذا يؤكد على أن الفقه محتاج إلى الأدلة الكلية، وأن الفقه بالمعنى الصحيح لا بد أن يؤسس على قواعد الأصول، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله: (الفقه لا يكون إلا بفهم الأدلة الشرعية بأدلتها السمعية الثبوتية من الكتاب والسنة والإجماع نصًا واستنباطًا) « (1) » ويقول: (الفقه لا يكون فقهًا إلا من المجتهد المستدل) « (2) » .
قوله: (فالأحكام مضطرة إلى أدلتها التفصيلية، والأدلة التفصيلية مضطرة إلى الأدلة الكلية) هذا توضيح لما سبق، والمعنى: أن أيَّ حكم شرعي لابد له من دليل يدل عليه - كما تقدم - وهو الدليل التفصيلي أو الجزئي، وهذا الدليل التفصيلي مفتقر إلى الأدلة الكلية في أصول الفقه، إذ لا يتم الاستدلال والاستنباط إلا بواسطة الأصول، وهذا قد يكون واضحًا في مسائل الأوامر والنواهي المشهورة، ولكنه يحتاج إلى تأمل ونظر في أبواب العام أو المطلق أو المفهوم وغير ذلك من مباحث دلالات الألفاظ، وقواعد الاستنباط.
قوله: (وبهذا نعرف الضرورة والحاجة إلى معرفة أصول الفقه …) أي: وبهذا التقرير السابق، وهو أن استنباط الأحكام من الأدلة لا بد أن يستند إلى الأدلة الأصولية تتضح أهمية أصول الفقه، وأنها معينة على الفقه وأحكامه، وهي الدعامة الأولى، وأساس النظر والاجتهاد في الأحكام، وبها يتمكن المجتهد من استنباط الأحكام الشرعية على أسس سليمة، وقواعد صحيحة.
«فصل» الأحكام التي يدور عليها الفقه خمسة:
(1) الاستقامة (1/ 61) .
(2) مجموع الفتاوى (13/ 118) .