وقوله: (والمحظورات العارضة) أي: التي يكون تحريمها عارضًا بسبب، مثل محظورات الإحرام، كأن يحتاج لحلق الرأس لجرح - مثلًا - فله أن يحلق رأسه ويفدي على ما هو مبين في كتب الفقه.
قوله: (والضرورة تقدر بقدرها) هذه قاعدة أخرى، وهي كالقيد لما قبلها، ومعناها: أن الاضطرار يبيح المحظور بقدر ما يدفع الخطر، ولا يجوز الاسترسال، ومتى زال الخطر عاد الحظر.
ودليلها قوله تعالى: {فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ} [البقرة/173] ومعنى (غير باغ) أي: غير طالب للمحرم مع قدرته على الحلال، أو مع عدم جوعه، (ولا عاد) أي: متجاوز الحد في تناول ما أبيح له اضطرارًا.
ومن أمثلة ذلك: أن المضطر إلى أكل الميتة لا يأكل منها إلا بقدر ما يدفع عن نفسه الهلاك، ومن ذلك جواز كشف الطبيب عورات الأشخاص إذا توقف على هذا الكشف مداواتهم، ويكشف من عورته بقدر ما يحتاجه للمداواة ولا يزيد على ذلك.
ومنها «الأمور بمقاصدها» فيدخل في ذلك: العبادات والمعاملات، وتحريم الحيل المحرمة مأخوذ من هذا الأصل، وانصراف ألفاظ الكنايات والمحتملات إلى الصرائح من هذا الأصل، وصورها كثيرة جدًا.
هذه القاعدة الرابعة، وهي من أجل قواعد الدين عمومًا، والفقه خصوصًا، فإنها على وجازتها ذات معنى واسع لوجود (أل) الإستغراقية، التي هي من صيغ العموم، ولهذا فإن شطرًا كبيرًا من الأحكام الشرعية يدخل تحتها، ودليلها قول النبي - صلى الله عليه وسلم: (إنما الأعمال بالنيات) « (1) » . والأمور جمع أمر، وهو الشأن والحال، ومنه قوله تعالى: {وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ} [هود/97] ، ويقال: أمور فلان مستقيمة، أي: أحواله، والمقاصد: جمع مقصد، وهو بمعنى النية والعزم.
(1) أخرجه البخاري (1) ومسلم (1907) .