الصورة الثالثة: إذا تقابلت مصلحة ومفسدة، فيقدم دفع المفسدة ولو فاتت المصلحة، لأن درء المفاسد أولى من جلب المصالح، والدرء: هو الدفع.
ومن أدلة ذلك: قوله تعالى: {وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ} [الأنعام/108] .
ففي سبِّ آلهة المشركين مصلحة وهي تحقير دينهم وإهانتهم، ولكن سيترتب على ذلك مفسدة، وهي سبُّ الله تعالى عَدْوًا وكفرًا على وجه المقابلة، فنهى الله تعالى المسلمين عن ذلك.
ومن أمثلة ذلك: منع الجار من التصرف في ملكه إذا أدى إلى ضرر غيره، فتُدرأ المفسدة وتُقدم المصلحة.
ومن ذلك - أيضًا: قيادة المرأة للسيارة، فإنه وإن قيل: إن فيها مصلحة فإنه لا اعتبار لها في مقابل المفاسد العظيمة التي لا يمكن حصرها، فتحرم قيادتها من باب (درء المفاسد مقدم على جلب المصالح) وقد مضى الاستدلال على ذلك من وجه آخر.
ومن ذلك قولهم: «لا تتم الأحكام إلا بوجود شروطها وانتفاء موانعها» وهذا أصل كبير بُني عليه من مسائل الأحكام وغيرها شيء كثير، فمتى فُقِدَ شرط العبادة أو المعاملة، أو ثبوت الحقوق، لم تصح ولم تثبت، وكذلك إذا وجد ما نعها: لم تصح ولم تنفذ.
وشروط العبادات والمعاملات: كل ما تتوقف صحتها عليها، ويعرف ذلك بالتتبع والاستقراء الشرعي، وبأصل التتبع حصر الفقهاء فرائض العبادات وواجباتها، وكذلك شروط المعاملات وموانعها.
والحصر إثبات الحكم في المذكور، ونفيه عما عداه، فيستفاد من حصر الفقها شروط الأشياء وأمورها: أن ما عداها لا يثبت له الحكم المذكور.
هذه القاعدة السادسة، وهي تتعلق بأحد أقسام الحكم الوضعي، وهو الشرط.
والشروط: جمع شرط، والشرط: ما يتوقف وجود الشيء على وجوده، وليس هو جزءًا من ذات ذلك الشيء، بل هو خارج عنه، ولا يلزم من وجوده وجود الشيء، ولكن يلزم من عدمه عدمه.