فهرس الكتاب

الصفحة 81 من 114

وإذا اجتمعت مصلحتان مسنونتان، قدم أفضلهما، فيقدم ما فيه نفع متعدٍ، كالتعليم وعيادة المريض واتباع الجنائز، ونحوها، على ما نفعه قاصر، كصلاة النافلة والذكر ونحو ذلك.

ومن أدلة اختيار أعلى المصلحتين: حديث ابن الزبير عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال النبي - صلى الله عليه وسلم: (يا عائشة لولا قومك حديثٌ عهدهم - قال ابن الزبير: بكفر - لنقضت الكعبة، فجعلت لها بابين، باب يدخل الناس، وباب يخرجون) « (1) » .

فنقض الكعبة وبناؤها على قواعد إبراهيم عليه السلام، هذا مصلحة، وتأليف قلوب كفار قريش بسبب قرب عهدهم بالكفر، مصلحة أيضًا، فاختار النبي - صلى الله عليه وسلم - أعلى المصلحتين « (2) » .

الصورة الثانية: إذا اجتمعت مفسدتان يرتكب أخفهما، ودليل ذلك حديث أنس - رضي الله عنه - قال: جاء أعرابي فبال في طائفة المسجد، فزجره الناس، فنهاهم النبي - صلى الله عليه وسلم -، فلما قضى بوله أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بذنوب من ماء فأهريق عليه) « (3) » .

فهذا الحديث دليل على هذه القاعدة العظيمة، وذلك أن البول في المسجد مفسدة، والاستمرار عليه مفسدة، وقد حصل ذلك، لكن كون الرجل يقوم من بوله مفسدة أكبر لما يترتب عليه من مفاسد أعظم، وهي:

تضرر هذا الرجل بقطع بوله واحتباسه.

أنه يؤدي إلى تلوث ثيابه وبدنه.

أنه يؤدي إلى تلوث مكان أكبر من المسجد.

ومن أمثلة ذلك: من اضطر إلى أكل محرم، فوجد شاة ميتة، وصيدًا محرمًا، قدم الصيد على الصحيح، ومن اضطر إلى وطء إحدى زوجتيه الصائمة والحائض، وطيء الصائمة، لأنها أخف، ولأن الفطر يجوز لضرورة الغير، كفطر الحامل والمرض « (4) » .

(1) أخرجه البخاري (126) .

(2) انظر: الفتاوى (22/ 407) .

(3) أخرجه البخاري (219) ومسلم (284) .

(4) انظر: القواعد لابن رجب (القاعدة 112) والقواعد والأصول الجامعة لابن سعدي ص (78) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت