وأما تعلق أهل البدع بالمجاز لنفي الصفات فلا يلزم منه نفي المجاز مطلقًا، لأنه لا يلزم من إثبات المجاز في غير آيات الصفات، إثباته في آيات الصفات، لأن المجاز يحتاج إلى قرينة تمنع من حمل اللفظ على حقيقته - كما تقدم - وهذه القرينة ممكنة في غير آيات الصفات، وممتنعة فيها عند أهل السنة، لوجوب حملها على حقيقتها، ثم إن تذرع هؤلاء المبتدعة بالمجاز لنفي الصفات يفسده عليهم وجوه أخرى من الاستدلال ليست هي إبطال القول بالمجاز، والله أعلم.
قوله: (والحقائق ثلاث: شرعية، ولغوية، وعرفية) فالحقيقة الشرعية هي التي يعرف حدها بالشرع، كلفظ الإسلام والإيمان والكفر والنفاق، والصلاة والزكاة والصوم والحج.
واللغوية: هي التي يعرف حدها باللغة، كالشمس والقمر، والسماء والأرض، ونحو ذلك.
والعرفية: هي التي يعرف حدها بعرف الناس وعاداتهم، كلفظ البيع، والنكاح والدرهم والدينار، وغير ذلك.
قوله: (فما حكم به الشارع وحَدَّهُ … الخ) أشار بذلك إلى فائدة معرفة أقسام الحقيقة، وذلك بأن يحمل كل لفظ على معناه الحقيقي في موضع استعماله، فما حكم به الشرع وبين معناه، وجب الرجوع فيه إلى المعنى الشرعي دون المعنى اللغوي، مثل لفظ (الصلاة) فإن معناها الشرعي: الأقوال والأفعال المفتتحة بالتكبير والمختتمة بالتسليم، ومثل قوله - صلى الله عليه وسلم: (توضئوا من لحوم الإبل) يرجع فيه إلى المعنى الشرعي، وهو غسل الأعضاء الأربعة، كما تقدم.
وما تكلم به الشرع، ولم يحده اكتفاء بظهور معناه اللغوي يرجع فيه إلى اللغة، فالشرع حكم بقطع يد السارق، لكنه لم يبين حد السرقة، فيرجع في معناه إلى اللغة، وأمر بإعفاء اللحية ولم يبين حدها، فيرجع في ذلك إلى المعنى اللغوي، وهكذا.