فهرس الكتاب

الصفحة 93 من 114

الوجه الثاني: إذا لم يشتهر ولم يخالفه غيره، وهذا هو محل النزاع، والأظهر - والله أعلم - أنه حجة، ولكن ليس حجة ملزمة، كنصوص الكتاب والسنة، وإنما هو قول يؤخذ به حيث لا دليل من كتاب أو سنة أو إجماع أو غيرهما مما يعتبر، لأن اقتفاء أثر الصحابة والأخذ بما أدى إليه اجتهادهم أولى من اجتهاد من جاء بعدهم، لأن قولهم أقرب إلى الصواب لبركة الصحبة، والتحلي بالهدي النبوي، وهم حملة الشرع، وأئمة الهدى.

وقد جاء ما يدل على ذلك في قول الإمام الشافعي - رحمه الله - في حكايته مع مناظره: (قال: أفرأيت إذا قال الواحد منهم القول لا يحفظ عن غيره منهم فيه له موافقة و لا خلافًا، أتجد لك حجة باتباعه في كتاب أو سنة أو أمر أجمع عليه الناس فيكون من الأسباب التي قلت بها خَبَرًا؟ قلت له: ما وجدنا في هذا كتابًا ولا سنة ثابتة، ولقد وجدنا أهل العلم يأخذون بقول واحدهم مرة، ويتركونه أخرى، ويتفرقوا في بعض ما أخذوا به منهم، قال: فإلى أيّ شيء صرت من هذا؟ قلتُ: إلى اتباع قول واحد إذا لم أجد كتابًا ولا سنة ولا إجماعًا ولا شيئًا في معناها يحكم له بحكمه، أو أجد معه قياسًا، وقلَّ ما يوجد من قول الواحد منهم لا يخالفه غيره من هذا) « (1) » .

الوجه الثالث: إذا خالفه غيره من الصحابة، وهذا ليس بحجة عند جميع الفقهاء، لأنه لا مرجح لأحدهما على الآخر، فإن وجد مرجح كان العمل بالدليل لا بقول الصحابي.

(1) الرسالة ص (597 - 598) وقوله: (ويتفرقوا) هكذا بحذف النون بدون ناصب أو جازم، ولعله على لغة، وهي صحيحة، وإن كانت قليلة الاستعمال، كما ذكر النووي في شرحه على (صحيح مسلم) (17/ 212) وقد وقع في الرسالة في موضع آخر، انظر: ص (562) ، وقد قال ابن هشام صاحب السيرة: (الشافعي كلامه لغة يحتج بها) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت