في الآية الأولى إثبات علم الله فهو سبحانه يعلم ما يدخل في الأرض من المياة والكنوز والأموات والبذور والوحوش والأوادم في الكهوف وغير ذلك ويعلم ما يخرج منها من نبات ومعادن ومياه وأموات وأبخرة وغير ذلك ويعلم ما ينزل من السماء من ملائكة وأمطار ومصائب وحر وبرد وغير ذلك وما يعرض فيها من حفظة وأعمال، وقد أنكر غلاة القدرية علم الله القديم وأنه يعلم الأشياء قبل وقوعها، وقد اشتد إنكار السلف عليهم وقالوا ناظروهم بالعلم فإن أقروا به خصموا وإن جحدوه كفروا، وقال الإمام أحمد في رده على الجهمية والزنادقة: فإن قال الجهمي ليس له علم كفر وإن قال لله علم محدث كفر حيث زعم أن الله قد كان في وقت من الأوقات لا يعلم حتى أحدث له عملًا فعلم، فإن قال لله علم وليس مخلوقًا ولا محدثًا رجع عن قوله كله وقال بقول أهل السنة.
والدليل العقلي على علمه تعالى أنه يستحيل إيجاده الأشياء مع الجهل ولأن إيجاده الأشياء بإراده، والإرادة تستلزم تصور المراد، وتصور المراد هو العلم بالمراد، فكان الإيجاد مستلزمًا للعلم، ولأن المخلوقات فيها من الأحكام والإتقان ما يستلزم علم الفاعل لها لأن الفعل المحكم المتقن يمتنع صدوره عن غير علم ولأن من المخلوقات ما هو عالم والعلم صفة كمال ويمتنع أن لا يكون الخالق عالمًا، وهذا له طريقان: أحدهما أن يقال نحن نعلم بالضرورة أن الخالق أكمل من المخلوق وأن الواجب أكمل من الممكن ونعم أنا لو فرضنا شيئين أحدهما عالم والآخر غير عالم كان العالم أكمل فلو لم يكن الخالق عالمًا لزم أن يكون الممكن أكمل منه وهو ممتنع. الثاني أن يقال كل علم في الممكنات التي هي المخلوقات فهو منه ومن الممتنع أن يكون فاعل الكامل ومبدعه عاريًا منه بل هو أحق به والله تعالى له المثل الأعلى ولا يستوي هو والمخلوق في قياس تمثيلي ولا في قياس شمولي بل كل ما ثبت للمخلوق من كمال فالخالق أولى به وأحق، وكل نقص تنزه عنه مخلوق ما فتنزه الخالق عنه أولى.
وكمال من أعطى الكمال بنفسه ... أولى وأجدر عند ذي العرفان