حتى أنه يمكن القول: بأن وسائل وأدوات سبر حقيقة المجتمع، وكشف خفاياه، ومعرفة واقعه، وتحديد وجهاته، أصبحت علومًا. فعلم الإحصاء وحصر الإمكانات والاستطاعات والمسح والبحث الاجتماعي بوسائل منهجية للتقويم والقياس لم يعد أرقامًا جامدة، وإنما يعبر عن مؤشرات ويحمل دلالات لا يمكن تجاهلها عند أي دراسة أو تخطيط أو تجديد أو تنمية للموارد البشرية والمادية .. فلم يعد علم الإحصاء أداة ووسيلة، وإنما أصبح مقومًا لا يمكن تجاوزه.
حتى أن استطلاع الرأي والتعرف على التحولات الاجتماعية وأسبابها، أصبح علمًا وفنًا، لا يقتصر على قراءة الحاضر وإنما يتجاوز إلى التأثير فيه والتوجيه له.
وليست الاستبيانات وفنية وضعها وما يطرح فيها من أسئلة، وما يتوصل إليه من نتائج، بأقل شأنًا في فقه الواقع وامتلاك مفاتحه، والدخول إليه من أبوابه، بعيدًا عن المجازفات والخبط الأعشى.
ويبقى التاريخ بحق، وتاريخ النبوة بشكل أخص، هو أبو العلوم الاجتماعية جميعها، لذلك نجد هذا الرصيد التاريخي من قصص الأنبياء مع أقوامهم في الكتاب والسنة، ليدخل المسلمون أصحاب الرسالة الخاتمة الحياة من مساراتها الصحيحة، ويدركوا سنن التسخير، ويتحققوا بالعبرة .. فالتاريخ هو مختبر الفعل الإنساني ودليل قانون الحركة الاجتماعية، لذلك كان التوجه إليه والاطلاع عليه من الفروض الاجتماعية أو الحضارية.
إن علوم فقه الواقع اليوم أشبه بالحواس والنوافذ العقلية للحركة الإنسانية، والأمة التي تفتقدها في عالم اليوم أمة تعيش فيما يشبه مدارس الصم والبكم.
صحيح أن عطاء النبوة لو استوعب بشكل صحيح يُبصِّر المسلم بالكينونة البشرية، ويزوده بالقوانين الاجتماعية، ويمكنه من التحقق بالقدر الأساس من سنن السقوط والنهوض،