ويمنحه شواهد تاريخية من قصص النبوة، لكن النبوة نفسها صاحبة هذا العطاء الذي يشكل الأرضية أو الخلفية التي لابد منها، هي التي تطلب إلى المسلم السير في الأرض، وتحصيل اليقين لهذه السنن والقوانين الاجتماعية، حتى يؤمن بها إيمانًا يستيقنه العقل ويطمئن إليه القلب، ليس كإيمان العوام، وإنما ليستخدمها في رؤيته للواقع وتخطيطه للمستقبل.
من هنا نقول: إن النفرة للتخصص في شعب المعرفة، وإحياء الفروض الكفائية، والنزول إلى الميدان والانخراط بالمجتمع هو من فقه الدين قال تعالى: {وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَآفَّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ} (التوبة:122) .. فلو كان الفقه حفظ نص، بعيدًا عن فقه الواقع، لما كان هناك حاجة للنفرة والتخصص وفقه الميدان، وخوض المعارك، ومواجهة الظلم، وحوار الآخرين، ولما كان هناك حاجة للسير في الأرض، ولما كان هناك معنى لقصص الأنبياء، ولاكتفى المسلمون بتلقي النصوص من صحبة النبي صلى الله عليه وسلم فقط بعيدًا عن أي تكليف أو استنفار.
لذلك نقول: إن الانخراط في المجتمع، والاندماج فيه، والتعرف على مكوناته ومؤثراته، ودراسة الظواهر الاجتماعية، ومعرفة أسبابها، والمساهمة في دوائر الخير، ومحاولة التوسع فيها، على هدى وبصيرة، وعدم تشكيل أجسام بعيدة عن المجتمع، منفصلة عنه، وإقامة هياكل وكيانات وخيام خارج المجتمع والحياة، أو السير خلف المجتمع ورصد تصرفاته والحكم عليها، بدل الدخول في المجتمع وإغرائه بفعل الخير، هو سبيل الخروج ومعاودة إخراج الأمة من جديد.
والكتاب الذي نقدمه، يمكن أن يعتبر محاولة جادة لاستقراء معظم وجهات النظر والمساهمات الفكرية المتوفرة حول هذا الموضوع الدقيق، والتدليل على أهميته وضرورته للعقل المسلم بشكل عام، والمتفقه المسلم بشكل أخص، لدرجة قد يكون أصبح من المستحيل معها تجاهله أو تجاوزه .. ذلك أن الفقه الاجتماعي الذي لا يتحصل إلا بتوافر أدواته البحثية، مايزال غائبًا عن العقل المسلم بالأقدار المطلوبة، وقد بلغ عند غيرنا بعدًا ليس من