إن الإنسان ببشريته هو المحور الذي عليه يدور الواقع، منه يبدأ وإليه ينتهي، ولا يمكن أن نتكلم عن واقع بدون إنسان أو إنسان بدون واقع، ذلك لعلاقة التحكم بين الطرفين ومن كليهما، فيتكيف الإنسان معه أو يكيفه طبقًا لحاجياته ومقتضيات التشريع بما وهبه الله عز وجل من استعدادات فطرية تختلف من إنسان إلى آخر، كل حسب طبعه ومزاجه وخصائصه النفسية. لكن رغم هذا، هناك ما هو مشترك بين جميع البشر وإن اختلفت نسبته من إنسان إلى آخر، وذلك ما اصطلح على تسميته بـ «طبيعة الإنسان» (34) . وقد حددها الدكتور زويد المطيري في أربع:
أ- الإنسان في أصله مخلوق من طين، ونفخ الله فيه من روحه، قال تعالى: {الذي أحسن كل خلقه وبدأ خلق الإنسان من طين، ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين، ثم سواه ونفخ فيه من روحه وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلًا ما تشكرون} (السجدة:7 - 9) . وقد بينت هذه الآية ازدواج الطبيعة الإنسانية، فهو من طين الأرض، ومن نفخة الله فيه من روحه، ويعني هذا وجود نوازع الخير ونوازع الشر في نفسه. هذا، وإن كانت تعتريه نزعات الشجاعة والجبن، فهي غرائز كما أشار إلى ذلك الإمام الشاطبي رحمه الله (35) . والقلوب جبلت على حب من أحسن إليها وبغض من أساء إليها.
ب- إن وجود نزعات الخير والشر في الإنسان، يعني وجود شيء آخر، وهو وجود الإرادة الحرة فيه، والقدرة على اتخاذ القرار. وقدرته على اتخاذ القرار لا تعني بحال من الأحوال أن الإنسان قادر على اقتلاع ما غرز في جبلته، أو تحسين ما قبح من خلقة في جسمه، أو تكميل ما نقص منها.
ويرى الإمام الشاطبي أن الأوصاف التي لا قدرة للإنسان على جلبها ولا دفعها على ضربين:
-أحدها ما كان نتيجة عمل كالعلم والحب.