مداركه واتساع تجاربه وزيادة علمه .. ولو ثبتت رؤيته ونظرته للأشياء وحكمه عليها، لدل ذلك بلا شك على توقف عقله، وتعطل نموه عند حدود تلك النظرة التي لم يتجاوزها، وانعزاله عن حركة المجتمع وتغيراته.
لذلك فالنقد والتقويم والمراجعة، سواء كانت ذاتية أو من (الآخر) الذي يؤمن بالقيم نفسها، هي روح الحياة المتدفقة ودليل امتدادها، وسبيل خلود القيم وقدرتها على الإجابة عن أسئلة الحياة في كل مراحلها. ذلك أن التدافع والحوار والتشاور والنقد والمناقشة والتقويم هي سبيل النمو والخصوبة والتسديد والرشد.
ولا بد من التأكيد أن عمليات النقد والتقويم والمراجعة لا تعني الرجوع والنقض والارتكاس والإلغاء، وليست هي سهامًا طائشة غير محكومة يمكن أن تودي بأصحابها، ولا هي نوع من العبث والتشهي، وإنما هي مجهودات ذهنية واجتهادات شرعية محكومة بمناهج وضوابط وآداب.
ولعلنا نقول: إن الإيمان بقيم الكتاب والسنة، والاعتقاد بعصمتها، يشكل الحارس الأمين المؤطر لعمليات النقد والتقويم والمراجعة، وتبقى المعيار الأساس لكل اجتهاد.
وهنا قضية قد يكون من المناسب التوقف عندها ولو بقدر يسير، وهي أن الإسلام بتعامله مع الواقع والحال التي الناس عليها لا يفترض شكلًا مسبقًا للواقع الاجتماعي لتنزيل أحكامه عليه، وإنما الإنسان والمجتمع هو محل خطابه وحكمه في سائر ظروفه واستطاعته وأحواله.
لذلك نقول هنا: إن الذين يحولون دون تطبيق أحكام الإسلام على المجتمع بحجة ضرورة تأهيل المجتمع ليصبح محلًا لتنزيل الشريعة، وأنه بواقعه الحالي لا يمكن تنزيل أحكام الإسلام عليه، يقعون في خطأين قاتلين من الناحية الشرعية والثقافية، الخطأ الأول: أن الإسلام لا يفترض شكلًا اجتماعيًا مسبقًا ليكون محل خطابه وتنزيل أحكامه، بل يبدأ مع المجتمع