فهرس الكتاب

الصفحة 3 من 102

الخلل وأسبابها، التي لحقت بالأمة المسلمة فأقعدتها عن ممارسة دورها في الشهادة على الناس وإلحاق الرحمة بهم، والتحقق بالرؤية الاستراتيجية التي تفقه الحاضر، وتستشرف الماضي، وتبصر المستقبل، وتدرك العواقب والتداعيات المترتبة على فعلها، فتفكر كثيرًا: متى وكيف ولماذا تُقْدم؟ ومتى ولماذا تُحجم؟ وتدرك أن القيم الإسلامية التي خوطبت فيها بالكتاب والسنة تشكل الوجهة والبوصلة الدالة على التوجه، وتشحذ العقل لإبداع المناهج والبرامج ووضع الأوعية الشرعية لتنزيل هذه القيم على حياة الناس، وتقويم واقعهم بها، والتخطيط لمستقبلهم على هديها، والاعتقاد بأن هذه البرامج والمناهج حتى ولو استنبطت من خلال قيم الكتاب والسنة، فلا تمتلك عصمة وقدسية وصوابية الكتاب والسنة، لأنها أفعال واجتهادات بشرية نسبية، يجري عليها الخطأ والصواب، لذلك فهي خاضعة دائمًا للنقد والتقويم والمراجعة والمناصحة والمشاورة والمثاقفة.

ذلك أن أية محاولة لاعتبارها الإسلام، أو الادعاء لها بالعصمة والصواب المطلق، الذي يتأبى على النقد والمراجعة، فإن ذلك يناقض طبيعتها الخاضعة للمراجعة والتعديل والتبديل والإضافة والإلغاء .. مع الإشارة إلى أن صوابيتها لعصر وواقع واستطاعاته وإمكاناته لا تعني بالضرورة صوابيتها لكل عصر بمتغيراته الزمانية والمكانية والإمكانية، وإلا كان التجمد والتكلس والتوقف ومحاصرة خلود قيم الكتاب والسنة، باسم حمايتها والحفاظ عليها، وإدانة لمدارس الاجتهاد التي بدأت مسيرتها ومشروعيتها في خير القرون، وإلغاءً لطبيعة الحياة وسننها، وإيقافًا للنمو والامتداد واستمرار رالعطاء وتقويم مسيرة الحياة بقيم الدين.

ذلك أن إخضاع الأعمال والاجتهادات البشرية للمراجعة والنقد والتقويم لا يعني بحال من الأحوال إفقادها لقيمتها وإسقاطها، وإنما يعني إضافة إلى قيمتها التاريخية ودورها في استشرافنا للماضي الثقافي إكسابها لعقولنا أقدارًا من الرحابة والمرونة الذهنية، وبناء الملكة والأهلية التي تمكننا من النظر الدقيق في ضوء هذه الرؤى المتنوعة والخصبة، ذلك أن أقدار التدين ليست ثابتة، والاستطاعات ليست واحدة في كل العصور، وعند الأفراد وفي كل الأزمان، حتى عند الفرد الواحد، حيث تتغير نظرته إلى الأشياء وحكمه عليها، مع نمو

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت