من خصائص التشريع الإسلامي رفع الحرج، يقول الله عز وجل: {وما جعل عليكم في الدين من حرج} (الحج:78) ، وقال صلى الله عليه وسلم: (يسروا ولا تعسروا، وسكنوا ولا تنفروا) (62) .
وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن أعرابيًا بال في المسجد، فثار إليه الناس ليقعوا به، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: دعوه وأهريقوا على بوله ذنوبًا من ماء أو سجلًا من ماء، فإنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين) (63) .
وتيسير النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن أمرًا خفيًا أو خاصًا مع قوم، وإنما كان عامًا يشهد به الجميع، فهذا الأزرق بن قيس، قال: كنا على شاطئ نهر بالأهواز قد نضب عنه الماء، فجاء أبو برزة الأسلمي على فرس فصلى وخلى فرسه، فانطلقت الفرس، فترك صلاته وتبعها حتى أدركها فأخذها، ثم جاء فقضى صلاته، وفينا رجل له رأي فأقبل يقول: انظروا إلى هذا الشيخ ترك صلاته من أجل فرس، فأقبل، فقال: ما عنفني أحد منذ فارقت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال: إن منزلي متراخ فلو صليت وتركت الفرس لم آت أهلي إلى الليل، وذكر أنه صحب النبي صلى الله عليه وسلم ورأى من تيسيره) (64) .
المبحث الثالث: مكانة الواقع في سنن الراشدين
( .. فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء المهديين الراشدين، تمسكوا بها، وعضوا عليها بالنواجذ) (65) ، وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم باتباع نهج الخلفاء الراشدين، فكان اختيارنا دراسة بعض مظاهر تقدير الواقع في سنة الراشدين، والعناية به في توجيهاتهم وسياستهم باعتبارهم أئمة الفقه وحكام الدولة.
وسيكون الكلام مركزًا على اجتهادات عمر بن الخطاب رضي الله عنه، لما أثير حولها من كلام وجدال وأفكار بعيدة عما قصد إليه رضي الله عنه.
وفهم الواقع هو الذي أعان الصحابة رضوان الله عليهم على معرفة مسؤولياتهم وواجباتهم،