فهرس الكتاب

الصفحة 83 من 102

وإنما تتفاضل الشريعة بكيفية وسائله (10) .

وأما المقاصد الحاجية، فهي ما يحتاج إليه الناس من أجل التوسعة ورفع الحرج، وسير الأمور على أحسن وجه، (فإذا لم تراع دخل على المكلفين على الجملة الحرج والمشقة، ولكنه لا يبلغ الفساد العادي المتوقع في المصالح العامة) (11) .

ولهذا الغرض شرعت الرخص، حيث أبيح الفطر للمسافر، والتيمم عند عدم وجود الماء، والاستصناع والسلم، ودرء الحدود بالشهبات ... ويمثل هذا قوله عز وجل: {مَا يُرِيدُ اللّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَكِن يُرِيدُ لِيُطَهَّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} (المائدة:6) . وفي هذا القسم يمكن إدراج عدول أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن قطع يد السارق عام المجاعة بشبهة المجاعة.

وأما المقاصد التحسينية فمعناها الأخذ بما يليق من محاسن العادات، وتجنب الأحوال المدنسات التي تأنفها العقول الراجحات (12) ، وما كان بها كمال حال الأمة في نظامها حتى تعيش آمنة مطمئنة، ولها بهجة منظر المجتمع في مرأى بقية الأمم (13) . ومنها ستر العورة، وآداب الطعام، وغير ذلك ...

إن ترتيب هذه المقاصد يعني أولوية إحداها على الأخرى. ومن ذلك كان الضروري مقدمًا على الحاجي، والحاجي مقدمًا على التحسيني، وبفهم الواقع تتبين لنا هذه المقاصد عند كل قضية، ومن ثم تقديمها على الأخرى وكيفية العمل عند التعارض. فإذا كانت مراعاة الحكم الحاجي تفضي إلى الإخلال بالحكم الضروري، فإنه لا يقدم عليه باعتبار أن الضروري أعلى مرتبة منه، لذلك وجبت بعض الواجبات على المكلفين رغم ما فيها من مشقة، فتحتمل حفظًا للضروريات الخمس. وقد رأينا أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقم حدًا في الغزو، (لأن تطبيق الحكم الشرعي على الجاني يؤول إلى كسر نفسه، فيقترف من التهاون في الجهاد والخيانة فيه ما يكون عائدًا بالهلكة على الأمة بأسرها) (14) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت