الذهب، وإنشاء المزارع، ومارسوا أكبر أعمال القرصنة والخطف في التاريخ، تلك التي راح ضحيتها أكثر من أربعين مليونًا من زنوج أفريقيا، سُلْسِلوا بالحديد، وشُحِنوا في سفن الحيوانات؛ لتقوم على دمائهم وعظامهم المزارع والمصانع والمناجم، ولا يزال أحفادهم يُعانون من التفرقة العنصرية في الغرب إلى الآن كما هو معلوم.
وعندما سعت أوروبا في القرن التاسع عشر إلى إلغاء الرق، وتحريم تجارته؛ كانت دوافعها في أغلبها مادية، وفي ذلك القرن الذي دعت فيه أوروبا لتحرير الرقيق استعمرت العالم، فاسترقت بهذا الاستعمار الأمم والشعوب استرقاقًا جديدًا، ولا تزال الإنسانية تُعاني منه حتى الآن.
هذا ما يتعلق بالرق، أما التسري فهو اتخاذ مالك الأمة منها سرية يُعاشرها معاشرة الأزواج، ولم يكن الرق والتسرى تشريعًا إسلاميًا مبتكرًا، وإنما كان موروثًا اجتماعيًا واقتصاديًا إنسانيًا، ذاع وشاع في كل الحضارات عبر التاريخ، وكان التسري فرعًا من فروع الرق.
ولقد جاء في المأثورات التاريخية المشهورة أن إبراهيم عليه الصلاة والسلام تسرى بهاجر المصرية أم إسماعيل عليه الصلاة والسلام، وجاء في المأثورات التاريخية أن نبي الله سليمان عليه الصلاة والسلام تسرّى بثلاثمائة سرية، وكما شاع التسري عند العرب قبل الإسلام، فلقد مارسه في التاريخ الإسلامي غير المسلمين مثل المسلمين.
ولقد وضع الإسلام للتسَري ضوابط شرعية، وجعل الغرض من التسَري ليس مجرد إشباع غرائز الرجل، وإنما أيضًا الارتفاع بالأمة إلى ما يقرب كثيرًا من رتبة الزوجة الحرة.
وقد شرع نبي الرحمة براءة رحم الأمة قبل التسري بها فقال: «لا تُوطأ حامل حتى تضع، ولا غير ذات حمل حتى تحيض» [1] أي: حتى يتأكد مالكها من خلو رحمها من الحمل.
ومن المقاصد الشرعية من التسري تحقيق الإحصان والاستعفاف للرجل والمرأة، وثبوت النسب لأولادهن.
بل جعل الإسلام من نظام التسري سبيلًا لتحقيق مزيد من الحرية للأرقاء، فأولاد السرية يولدون أحرارًا، وبمجرد أن تلد ترتفع إلى مرتبة (أم ولد) ، ثم تصبح كاملة الحرية بعد وفاة والد أولادها الذي تسرى بها [2] .
وبهذا يتبين أن رحمة النبي عليه الصلاة والسلام قد عمت الرقيق من العبيد والإماء، وقد تقدم في الباب الرابع فصل مستقل في رحمة النبي عليه الصلاة والسلام بالرقيق، وهو الفصل الخامس عشر فراجعه.
(1) أخرجه أبوداود (2157) من حديث أبي سعيد، وهو في"صحيح الجامع" (7479) .
(2) راجع كتاب"شبهات المشككين".