الفصل الثاني
الرحمة في الجهاد
الصراع حتمي بين الحق وأهله من جهة، والباطل وأهله من جهه أخرى، هذه سنة إلهية لا تتخلف، ووقائع التاريخ القديم والحديث تشهد على ذلك.
والنبي عليه الصلاة والسلام لم يقاتل الكفار حتى أذن الله له بقتالهم فقال: {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (39) الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (40) الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ} [الحج: 39 - 41] .
قال ابن كثير رحمه الله: (( {وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ} أي: لولا أنه يدفع بقوم عن قوم ويكف شرور أناس عن غيرهم بما يخلقه ويقدره من الأسباب لفسدت الأرض، ولأهلك القوي الضعيف ) ).
والصوامع هي المعابد الصغار للرهبان، والبيع هي كنائس اليهود، والصلوات قيل: هي كنائس النصارى، والمساجد للمسلمين )) [1] .
وقد أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم بقتال الكافرين فقال: {قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ (38) وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (39) وَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلَاكُمْ نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ} [الأنفال: 38 - 40] .
قال السعدي رحمه الله: (( {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ} أي: شرك وصد عن سبيل الله، ويذعنوا لأحكام الإسلام، {وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ} فهذا المقصود من الجهاد لأعداء الدين، أن يدفع شرهم عن الدين، وأن يذب عن دين الله الذي خلق الخلق له، حتى يكون هو العالي على سائر الأديان ) ) [2] اهـ.
وقد امتثل نبي الرحمة أمر ربه، فجاهد في الله حق جهاده، ولقد كان النبي عليه الصلاة والسلام أكبر قائد عسكري في الدنيا، وأعمقهم فراسة وتيقظًا، استطاع بقتاله الكفار أن يفرض الأمن، ويبسط السلام، ويطفئ نار الفتنة، ويكسر شوكة الأعداء في صراع الإسلام والوثنية.
(1) تفسير ابن كثير (3/ 219) .
(2) تفسير السعدي ص 321.