الباب السابع
رحمة النبي عليه الصلاة والسلام في الترويح والتسلية
الفصل الأول
الترفيه عن النفس
علّم النبي صلى الله عليه وسلم أمته بأقواله وأفعاله أن على المسلم أن يحرص على ما ينفعه في دينه ودنياه وآخرته، وأن يستكثر من الأعمال الصالحة التي تقربه من الله، ويرفع الله بها درجاته في الجنة يوم يلقاه، قال الله تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (41) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا} [الأحزاب: 41، 42] ، وقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [الحج: 77] .
وقد كان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أتقى الناس وأخشاهم وأعبدهم لله تعالى، كان يطيل الصلاة في الليل، ويكثر الصوم في النهار، ويذكر الله على كل أحيانه، ويتلو آيات القرآن، ويتفكر في مخلوقات الرحمن. وكان يدعو إلى سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة والمجادلة بالتي هي أحسن. وكان يجاهد الكافرين والمنافقين بالسيف والسِّنان، والحجة والبرهان. وكان يعود المرضى، ويزور الضعفاء، ويتبع الجنائز. وكان يتفقد أحوال المسلمين، ويطعمهم، ويقضي حاجاتهم. وكان يقيم أمر الدولة بالعدل والرحمة، والحزم والحكمة، فيبعث الولاة والقضاة وقابضي الزكاة، ويبعث الدعاة والمعلمين والجيوش .... إلى غير ذلك من الترتيبات الإدارية للدولة الإسلامية. ومع هذا كله كان يعطي كل ذي حق حقه من نسائه وأولاده وأقربائه وجيرانه .... إلخ.
هكذا ينبغي أن تكون الحياة جدًا وكفاحًا وحرصًا على ما ينفع في أمر الدين والدنيا والآخرة، لكن النفس لها حق في الترفيه، فهي تمل، ويشق عليها أن تستمر في الجد والجهاد والمجاهدة أبدًا بدون ترفيه عنها، فالترفيه وسيلة لتحقيق التوازن بين جوانب الإنسان المختلفة، فالجد هو الأصل، والترفيه هو الفرع.
إذًا: الترفيه والترويح عن النفس وسيلة لا غاية، وهذا هو ما كان عليه نبي الرحمة
صلى الله عليه وسلم، وقد كان أطيب الناس نفسًا، وأكثرهم تبسمًا، وأحسنهم خلقًا،
والأحاديث في ترفيه النبي صلى الله عليه وسلم عن نفسه كثيرة منها ما يلي:
1 -عن سمرة بن جندب رضي الله عنه قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مما يكثر أن يقول لأصحابه: «هل رأى أحد منكم من رؤيا؟» فيقص عليه ما شاء الله أن يقص» [1] .
(1) أخرجه البخاري (7047) .