الحرب ظاهرة إنسانية قديمة، فمنذ خُلق الإنسان وهو يصارع ويحارب، قال ابن خلدون في مقدمته: (( اعلم أن الحروب وأنواع المقاتلة لم تزل واقعة في الخليقة منذ برأها الله، وأصلها إرادة انتقام بعض البشر من بعض، ويتعصب لكل منهم أهل عصبية، وهو أمر طبيعي في البشر، إما غيرة ومنافسة، وإما عدوان، وإما غضب للمُلك وسعي في تمهيده، وإما غضب لله ولدينه، ) ) [1] .اهـ باختصار.
الجهاد في الإسلام هو لإعلاء كلمة الله، قال الله تعالى: {قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ (38) وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (39) وَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلَاكُمْ نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ} [الأنفال: 38 - 40] .
قال الإمام المفسر ابن كثير رحمه الله: (( يقول تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: {قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا} أي: عما هم فيه من الكفر والمشاقة والعناد، ويدخلوا في الإسلام والطاعة والإنابة، {يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ} أي: من كفرهم وذنوبهم وخطاياهم، {وَإِنْ يَعُودُوا} أي: يستمروا على ما هم فيه {فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ} أي: فقد مضت سنتنا في الأولين أنهم إذا كذبوا واستمروا على عنادهم أنا نعاجلهم بالعذاب والعقوبة ) ) [2] اهـ مختصرًا.
وقال الإمام المفسر ابن جرير رحمه الله: (( فقاتلوهم حتى لا يكون شرك، ولا يعبد إلا الله وحده لا شريك له، فيرتفع البلاء عن عباد الله من الأرض، وهو الفتنة، {وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ} أي: وحتى يكون الطاعة والعبادة كلها لله خالصة دون غيره، قال ابن جريج: أي: لا يفتن مؤمن عن دينه، ويكون التوحيد لله خالصًا ليس له فيه شريك، ويخلع ما دونه من الأنداد.
وأما قوله: {فَإِنِ انْتَهَوْا} فمعناه: فإن انتهوا عن الفتنة وهي الشرك بالله، وصاروا إلى الدين الحق معكم {فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} أي: لا يخفى عليه ما يعملون من ترك الكفر، والدخول في الإسلام )) [3] اهـ مختصرًا.
فمن أبى أن يعبد الله الذي خلقه، ولم يؤمن برسوله الذي أرسله، ولم يصدق بكتابه الذي أنزله، فإنه في الآخرة من الخاسرين، وفي الدنيا يجب أن يكون من الأذلين، قال الله تعالى {إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ (20) كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ} [المجادلة: 20، 21] .
قال ابن كثير رحمه الله: (( يقول تعالى مخبرًا عن الكفار المعاندين المحادين لله ورسوله، الذين هم في حد، والشرع في حد أي: مجانبون للحق، مشاقون له، هم في ناحية، والهدى في ناحية {أُولَئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ} أي: في الأشقياء
(1) "تاريخ ابن خلدون" (1/ 270) .
(2) "تفسير ابن كثير" (2/ 295) .
(3) "تفسير ابن جرير" (13/ 537) .